سمير عطا الله

الولاءات مرسومة بالبويا – سمير عطالله – النهار

اعتدنا خلال الحرب، أن نقرأ اخبارنا في الصحف الغربية. فالمراسلون الأجانب كانوا اكثر موضوعية واطِّلاعاً بسبب حرية التنقل، وتنوع المصادر سواء كان الحدث مجزرة في مسبح، أو جيشاً يؤمر بدكّ أحياء مدينته. شيء آخر، وهو ان المراسل الاجنبي يلاحظ ما تعتبره الناس أمراً عادياً، أو مألوفاً. في رسالة “الفيغارو” من #بيروت الاسبوع الماضي، صورة عن الفحم والشتم في وسط المدينة. #الكتابات على الجدران تملأ تلك الشوارع التي كانت، ذات يوم، زهوة المدن وقناطر الشرق. شعارات، بالأسود، في خط قبيح، مهين لروعة الخط العربي، توحي وكأن المطلوب روح المدينة، وليس جدرانها. شعارات فوق شعارات، استكمالاً للحرب القائمة في عتمة القلوب.

دائماً كنتُ اشبِّه وضع لبنان بوضع بولونيا. بلد ضعيف، واقع بين دروب الأقوياء. يوماً يتحدث اللغة الروسية، يوماً الألمانية، ويوماً لا يعرف اية لغة سوف يتحدث غداً. هكذا تعوّد البولونيون ان يقرأوا هوية السلطة المقبلة، من الكتابات على الجدران.




يقول الشاعر البولوني تشيسواف ميووش: “مع كل تغيير، يُرسَل الدهانون لإعادة كتابة لافتات الشوارع، باللغة الرسمية الجديدة”. ويقول ميووش ان مدينته، فيلنا، حُكِمت على التوالي “من قِبل الروس، ثم الألمان، ثم الليتوانيين، ثم البولونيين، ثم الليتوانيين ثانية، والألمان مرة اخرى، والروس مرة ثانية”.
مسكينة الدول التي قدرها تقاطع الدروب المتعاكسة. افلاطون كان يضع امام داره قارورتين، واحدة للقدر السيىء، وواحدة للقدر السعيد. اللهم نجّنا ونجِّ لبنان، مما في القارورة الأولى.
استعادت بولونيا هويتها عندما استعادت ارادتها وقرارها. وطوال عقود كانت تدرك ان اطماع الكرملين الشيوعي في موسكو هي نفسها اطماع القيصر وشهوة الاستعباد واحدة، بصرف النظر عن براعة التنميق وتفاهة التبرير.

رأيت مثل هذه الكتابات الكريهة قبل اعوام على جدران برشلونة. كاتبوها عاطلون عن العمل، ويائسون، وضالون بلا أمل. منبرهم الوحيد كان جدران المباني المتاحفيّة (الباروك)، التي يملكها الذين لا يملكون. هكذا سمّاهم همنغواي: الذين يملكون والذين لا يملكون. كل يوم يكتشف اللبنانيون انهم فقدوا كل شيء، ولم يبقَ سوى ثقافة الجدران ومتعة الدهان المشوّه. يستكمل الدهان مهمة انفجار المرفأ، وتخلية وسط بيروت من الحياة، بقيادة اصلاحيي التيار وعمالقة التغيير، من مدينة مفعمة بالجمال والحياة، الى مدينة مقفرة في النهار ومهجورة في الليل. من عاصمة الى قارعة. من ملتقى الملأ الى عراك الفراغ.

يقول ميووش ان بولونيا عاشت في التقية في ظل جميع المستعمرين، أو المستبدين. وكانت تنظر الى عمل الدهانين، كرمز للاستسلام الى تغير الأمم، وتغير اللهجات، واللغات ونوعية الخطوط: رقعي، أم فارسي، أم نسخي، أم كوفي.

يقول ميووش ان الرأسمالية ولدت في بولونيا بين ايدي العمال والفلاحين. تطلب ابرة وخيطاناً فيقول لك مسؤول الحزب الشيوعي، ان عليك الانتظار ستة اشهر. هكذا، تعلمت ربات البيوت السفر الى الخارج والعودة بكمية من الإبر والخيطان، تباع بأرباح جيدة. في المنازل المتواضعة ولدت التجارة الموازية. تطلع حولك. كم من التجارات الصغيرة ولدت في الأحياء، لمواجهة جائحة الدولار والتضخم الذي يهدّ الناس هداً؟ تأمّل الدولة الهائمة على نفسها على دروب النهاية، وتأمّل معها المعركة التي تخوضها العقول الخلاّقة، للصمود في وجه المجاعة والعوز، وانعدام كل احساس بالمسؤولية.

ولكن الى متى؟ اندلعت حروب اوروبا بسبب العوامل التقليدية: الفساد والتضخم وانكفاء النخب الكبرى امام ثقافة اليوميات. التضخم الرهيب جعل العبقرية الألمانية تسير خلف عقل مسطح وصوت جهوري، فلسفته الدمار والانتحار. التضخم الذي نعيشه منذ عامين وما يرافقه من فساد وحشي وانقسام يزداد عمقاً، لا يمكن ان يؤدّي إلا الى نتائج وخيمة. هذه معادلات حسابية، إلا في معجزة. كأن يعود الدكتور حسان دياب عن الاستقالة ضمن الاستقالة، ولا يتركنا في بحر هائج، كما كانت الناس تناشد فؤاد شهاب يوم اعلن استقالته.

بعد جلاء الجزمتين، النازية والسوفياتية (وليس الالمانية والروسية) عادت بولونيا إلى صفوف دول النمو والتحضّر. من المستحيل ان تنسى معاناتها المرعبة في براكين الشر والتوحش، لكنها وضعت ماضيها خلفها في سرعة، وخرجت من عالم “القوميسار” الى دنيا الازدهار. ولم تعد مركز حلف فرصوفيا والدبابات التي تتعطل في الطريق، بل هي دولة تغبطها الدول في اوروبا، شرقاً وغرباً.

لعلها فرصة اعرض فيها موقفاً وجدانياً لا اثر للسياسة فيه. أول مرة قابلت قائد الجيش الجنرال #ميشال عون في شقته المستأجرة في الرابية، خرجت من اللقاء لأكتب ان الرجل فؤاد شهاب آخر. وفي مرة أخرى جئت الى بيروت، وعدت الى لندن لأكتب ان ميشال عون يشبه الشبح كاسبر في الرسوم المتحركة، يدخل البيوت مثل الزئبق العاطفي، وعبثاً يحاولون اغلاقها في وجهه. ومرة ثالثة جئت الى بيروت، فشاهدت عرضاً لـ”القوات” تخرّج ضباطها، فعدت الى لندن لأكتب ان اي جيش آخر هو دمار.

العام 1988، حضرنا، جبران تويني وانا، القمة الروحية اللبنانية في الكويت. وخلالها ذهبنا لمقابلة وزير الخارجية، الشيخ صباح الأحمد. وكان طبيعياً أن يكون للقاء موضوع واحد، هو لبنان. وأخذ الشيخ صباح، بطريقته الديبلوماسية، يومىء الى الجنرال عون. وقلت للشيخ الذي تربطني به مودة منذ عملي في الكويت قبل عشرين عاماً: لماذا لا تسمي الرجل الذي سوف ينهي الحرب؟ الجميع يعرف انه ميشال عون.

كانت حماستنا للجنرال عون، حماسة امثالنا، الى سماع صوت الهدوء والخلاص والانتهاء من زمن الميليشيات التي تنخر وتمزق نسيج الوحدة، والعودة الى لبنان الذي تعوّدنا على هنائه ورحابته وفرادته بين الأوطان.

لم يدم طويلاً املنا بجمهورية الجنرال. راهنّا على إنهاء الميليشيات لكنه دخل القصر الجمهوري ليشكل اول وآخر حكومة في لبنان من دون مسلمين، وكأنما كل فريق يغرز علمه في قطبه. ثم سمعنا الجنرال يخطب في “الشعب العظيم” أن بيروت دُمرت سبع مرات، فليكن ثماني مرات. وفيما كنا نحلم بصمت المدافع، أفقنا على اصواتها تبدأ “حرب التحرير” بقصف الاونيسكو. وتبددت ايضاً احلامنا بالعودة.

لكنني مرة اخرى، وجدتُ نفسي الى جانب الجنرال، معترضاً على قرار القرون الوسطى بنفيه. وقلت ان النفي سياسة وحشية انتهت يوم توقف الاتراك عن نفي المعارضين الى مالطا. وعندما عاد، فرحنا بعودته. لكن مثلي مثل كثيرين فوجئنا بخطاب الجنرال وتعابيره وغضبه الدائم، والكلمات التي يرددها في حق خصومه. وعندما قمت بزيارته في الرابية مع صديق مشترك، شرحت له أنني مجرد كاتب له رأي ومشاعر. ولا يمكنني أن اقبل هذه اللغة في مخاطبة اللبنانيين، أياً كانوا. كما قلت ان جبران باسيل يخاطبنا بفوقية لا تطاق، وسوف تبعد الناس عنك.

الاسبوع الماضي نشر موقع “المستقبل” بكل براءة مقالاً مزوراً منسوباً اليّ، مليئاً بالسفه والصفاقة ضد الرئيس ميشال عون. وشعرت بألم ومرارة لأنه، عدا كذبه وفتنته، مكتوب بلغة سوقية لا يمكن أن تكون لغتي. لذلك، اتصلت “بالمستقبل”، وبالزميل رفيق شلالا في القصر، واوضحت.

منذ سنوات وأنا آمل وأتمنى العودة الى ميشال عون الذي توسّمنا فيه فؤاد شهاب آخر، ومعه لبناناً افضل. لكن لا نلتقي سوى ما يعرضه علينا السيد جبران باسيل. احياناً طوال النهار والليل. أو، كما قالت “نداء الوطن”، ماتينيه وسواريه.