الجيش للأمن فقط

غسان الحجار – النهار

منذ الموقف الاخير لقائد الجيش العماد #جوزف عون، والتحليلات تتوالد، والآراء تتناسل، لتتناول مرحلة ما بعد الخطاب الذي يكشف عن ازمة عميقة لا يمكن إلا أن تصيب المؤسسة العسكرية في محيط موبوء وبلد مريض.




صحيح ان الهوة صارت كبيرة ما بين بعبدا واليرزة، وثمة تباعد ما بين الأخيرة ومراكز حزبية كثيرة ابرزها حارة حريك، لم تصل الى حد القطيعة ولا المواجهة، لان السلطة السياسية الطائفية الحزبية لا تزال أفعل من كل مراكز القوى في لبنان، ويمكنها ان تنخر المؤسسة العسكرية كما غيرها، خصوصا ان التعيينات السابقة في الجيش كانت تقوم على المحاصصة، قبل ان يحاول العماد عون لجم السياسيين والحزبيين عن اندفاعتهم للتدخل في المؤسسة على اختلاف مستوياتها، وقد تكشفت فضائح مالية في دخول تلامذة ضباط الى الكلية الحربية، كما الى اجهزة امنية عدة، دِين بها ضابط سابق في الامن العام، سرعان ما تم تدبير سفره الى خارج البلاد مع كل الاموال التي جناها، لا بسبب تقصير امني، بل بتواطؤ امني لان إدانته قد تفضي الى فضحه اسماء كثيرة وكبيرة. لذا جاء مخرج هروبه انقاذاً لسمعة كثيرين.

كثر الكلام عن خطاب ترشّح رئاسي، وعن انتفاضة وتمرد، وعن حكومة عسكرية انتقالية، وكلها من نسج خيال أصحابها، وملء لأوقات الفراغ، والثرثرة اللبنانية، اذ انها جميعا ليست منطقية في ظل هذه الظروف، ولو افترضنا ان بعضا منها راود قائد الجيش او مساعديه. فالملف الرئاسي معقد الى حد كبير، وغالبا ما يُطبخ في الخفاء وليس بشكل مباشر قبل الاعلان عنه والترويج له. واذا اعتبرنا انه غير مبكر بعدما فتح الرئيس ميشال عون البازار قبل مدة، فان توجه العماد جوزف عون الى الرأي العام اللبناني لا يفيد في شيء، لان الانتخاب لا يأتي من الشعب، ولا يأتي في معظم الاوقات من لبنان، بل هو نتيجة إرادة خارجية أو توافق اقليمي دولي. وقد لفتني جواب المحامي كريم بقرادوني لدى سؤاله عن اي من الرؤساء الذين عمل معهم أو عرفهم كان صنيعة لبنان، أو بأقل تدخّل خارجي، قوله: “اميل لحود لانه جاء بقرار سوري فقط”، فلم تتداخل الارادات الخارجية.

اما الانتفاضة، او التمرد العسكري، فغير وارد في لبنان. ولا يمكن قائد الجيش، أياً تكن شعبيته، ان ينتفض على السلطة السياسية لانها تقاسم للسلطة والنفوذ ما بين ارباب الطوائف، ولم يعد بوسع ماروني ان يمسك بزمام الامور في ظل صحوة اسلامية نشأت مع الحرب ومع اتفاق الطائف، وساهمت في إضعاف البلد ككل، وليس موقع رئاسة الجمهورية فحسب. وبالتالي فان اي محاولة من هذا القبيل ستُدفن في مهدها قبل ان يبادر اليها اي شخص مهما علت مرتبته.

يبقى خيار الحكومة العسكرية الانتقالية التي لا مسار قانونياً لها، إلا إذا أحكم المجتمع الدولي سيطرته، وأمسك بالملف اللبناني وعزل هذه الطبقة السياسية، واطلق التحضير لانتخابات جديدة، وهذا امر مستبعد الى اليوم، رغم كونه حلاً مقبولاً من البعض، ولا يقبله البعض الآخر إلا غصباً عنه. لكن الاكيد ان لا قدرة للمجتمع الدولي عليه إلا بعد انهيار غير مسبوق.

لذا يبقى كلام قائد الجيش تسجيل موقف ليس اكثر، ومن الافضل حصره في اطاره، كما حصر الجيش بالامن والدفاع وعدم اقحامه في سياسة لا تشبه السياسة في شيء.