“جعنا يا سيّد!”

عديد نصار – العرب

بينما يتقاتل اللبنانيون على علبة حليب أطفال وقنينة زيت أو كيس سكر في هذا المتجر أو ذاك، ترى الطرقات على الحدود اللبنانية – السورية التي يحتلها حزب الله مزدحمة بشاحنات الأرز والسكر والطحين والمازوت والبنزين، وكلها من المواد المدعومة من إيداعات اللبنانيين في مصرف لبنان!




مشاهد أصبحت خبز اللبنانيين اليومي بعد أن صار الخبز بعيدا عن متناول أفواههم. فهل يوحدهم الجوع بعد أن فرقتهم القوى الطائفية المسيطرة؟

وحين هبطوا إلى الطرقات وأغلقوها بالإطارات المشتعلة وكل ما وقعت أيديهم عليه من عوائق احتجاجا لعلهم يستعيدون لحظة السابع عشر من أكتوبر، وجدوا العناصر الحزبية أمامهم “نحن أيضا جائعون ويحق لنا أن نحتج!”. ولكن، ماذا عن الشعارات الحزبية والهتافات الطائفية القادمة من زمن الحرب الأهلية؟ الحرب التي ترهب قوى السلطة اللبنانيينَ بها بعد أن أعلنت انتفاضة 17 أكتوبر دفنها إلى الأبد.

إن محاولات قوى السلطة احتواء انتفاضة الجوعى لن تفلح، فالناس باتوا يدركون أن نزولهم إلى الشارع ليس بسبب الخلاف بين البطريرك الماروني وبين حزب الله، وليس بسبب الخلاف بين رئيس الجمهورية ميشال عون وبين رئيس الحكومة المكلف سعد الحريري، وليس بسبب الخلاف بين جبران باسيل وسمير جعجع، هذه الخلافات لا تعنيهم، كل ما يريدونه أن يؤمنوا حاجاتهم اليومية كالمعتاد في أي بلد طبيعي، ولن يكون لبنان بلدا طبيعيا في ظل حكم القوى المافيوية الناهبة، ولن يكون كذلك طالما تتمتع هذه المافيات بحماية حزب مسلح خارج عن القوانين يحكم سيطرته على الدولة وحدودها ومنافذها. اللبنانيون لا يريدون أكثر من أن يعيشوا مع أبنائهم وأقرانهم حياة طبيعية في بلد طبيعي.

اليوم الجوع يوحد اللبنانيين. لم تعد الضاحية الجنوبية لبيروت بمنأى عن الجوع، الإفقار الذي غرقت فيه طرابلس وعكار والهرمل بدا صارخا في الضاحية وفي النبطية وفي الجنوب.

“نحن جعنا يا سيّد!” عبارة أطلقها المحتجون في المناطق التي يعتبرها حزب الله و”سيّده” بيئته الحاضنة. هذه البيئة التي لم يتمكن “السيّد” أو لم يهتم بحمايتها من الجوع أخذت تنتفض. دخان الإطارات المشتعلة غطّى سماءها كما باقي المناطق اللبنانية. لن تبقى أي منطقة لبنانية بمنأى عن الجوع وبالتالي بمنأى عن الانتفاض. انتفاضة الجوع توحّد، لكنّها لن تُقدم شيئا في المعيشي ما لم تقدّم في السياسي، أي طالما لم تطرح مسألة السلطة ومسؤولية قوى السلطة عمَّا وصلت إليه أحوال البلاد. فهل تلتحم “ساحات الثورة” وتنتظم سياسيا حتى تحقق ذلك؟ وكيف يكون هذا الالتحام إذا لم يبادر ثوار 17 أكتوبر إلى مدّ الجسور مع سائر المنتفضين؟

وكيف يكون الالتحامُ طالما لم تُطرح الأسئلة المركزية التي لا بد من الوصول إلى إجابات حاسمة عليها وتحديدا ما يتعلق بتمييز أؤلئك الذين فاقت ثرواتهم مُجمل الدّين العام على الدولة بأضعافٍ نتيجة استغلالهم النفوذ واحتلالهم مواقع السلطة؟ وكذلك الذي يتعلق بتحديد الجهة التي حمَتْ ولا تزال تُصِرُّ على حماية هذه المنظومة الفاسدة من غضب الشارع وثورة الناس بالبلطجة والتهديد والقمع والاغتيال والتلويح بالحرب الأهلية، وكذلك بالإجابة على سؤال: لماذا تؤدي هذه الجهة مثل هذا الدور القذر ما لم تكن أكثر المستفيدين من نظام المناهبة الذي تقوم عليه هذه المنظومة وتستمر به؟

منظومة حولت الجيش إلى مؤسسة تتسول حتى وجبات الغذاء دفعت قائد الجيش إلى رفع الصوت بعد أن طُلب منه قمعُ المحتجّين الذين يواصلون قطع الطرقات في عموم الأراضي اللبنانية. فكيف يُوضع جائع في وجه جوعى؟

منظومة تلاقي صرخة قائد الجيش باقتراح قانون مُعجّل مُكرّر يقضي بإعطاء كل عسكري في الجيش والأجهزة الأمنية مبلغا قدره مليون ليرة لبنانية شهريا لمدة ستة أشهر!

مَنْ سيدفع هذه المبالغ يا علي حسن خليل (وزير المالية السابق ونائب ومستشار رئيس مجلس النواب رئيس حركة أمل نبيه بري) وموازنة الدولة فارغة؟ هل بطبع المزيد من النَّقد وما سيترتب عن ذلك من ارتفاع جنوني لسعر الصرف بمجرد إقرار هذا القانون/ الرشوة الذي يُراد منه وضع العسكر في مواجهة المواطنين؟ وهل سيستفيد العسكري فعلا من هذه الرشوة؟

بالتأكيد لا. فإذا كان راتب العسكري اليوم يعادل مئة دولار، فإن طبع مزيد من الأوراق النقدية لتغذية هذه الزيادة سيرفع سعر الصرف بما يجعل راتب العسكري إضافة إلى هذه الرشوة لا يزيد عن مئة دولار، أما أسعار السلع والدواء فلا حدود لارتفاعها، هذا إذا توفرت.

بين “جعنا يا سيّد” ورشوة العسكريين الجوعى بمليون ليرة فاقدة للقيمة الفعلية، سيشهد اللبنانيون قفزة نوعية جديدة في طبيعة مواجهتهم مع منظومة المناهبة ما سوف ينتج عنه موجة جديدة من المواجهات لن تغير في أوضاعهم ما لم يتّحدوا وينتظموا.