المصدر: النهار

ذعر يجتاح الأسواق!

اذا كان من المسلّم به ان قطع الطرق على نحو يومي، ولو على نطاق واسع سرعان ما يتمدّد الى معظم المناطق اللبنانية، لم يؤدّ ولن يؤدّي على الأرجح الى تغيير حرف في مسار #الانهيار الزاحف، ولن يتجاوز تالياً اطار التعبير عن الصرخة الشعبية الاحتجاجية المشروعة في مواجهة سلطة وطبقة سياسية بات يصعب فعلا “منحها” ما تستحق من الأوصاف والتسميات العائدة الى الحالات المستعصية أخلاقياً ومعنوياً ووطنياً، فان المشهد الداخلي امس اختصره الذعر الضمني والعلني من الانزلاق المتسارع نحو الفوضى الأسوأ التي تنذر بها تداعيات التحليق الناري للدولار في أسواق فالتة.

هذا الذعر الذي اشعلته حالة انعدام السيطرة على تسعير الدولار الذي بموازاة فقده، صار فعلا بلا سقف، بدأ يتخذ طابعا جديدا يتمثل في هروب معظم القطاعات بما فيها #القطاع التجاري الى #الاقفال تجنبا لمحرقة خسائر قاتلة هذه المرة، فاذا بالبلاد تنحو في اتجاه نوع مختلف من الازمات والاختناقات بدليل تسابق المتاجر الكبرى والصغرى، كما محال الصيرفة، كما محطات المحروقات وحتى الصيدليات، الى مواجهة الارتفاعات المحلقة للدولار بالاقفال. ولعل المفارقة الدراماتيكية التي يسقط فيها لبنان برمته ان معظم قطاعاته تتجه نحو الشلل الواسع بسبب تفلت السيطرة على تسعير الدولار في حين يقترب موعد المرحلة الرابعة والنهائية من برنامج الرفع التدريجي لحالة التعبئة الصحية وإجراءات مكافحة انتشار وباء كورونا، بما يعني ان الشلل صار السمة المتلازمة لكارثة تخبط لبنان في كل الازمات دفعة واحدة والسقوط الخيالي للدولة والسلطة والطبقة السياسية امام هذا المنقلب المصيري. فعلى رغم كل هذه التطورات المأسوية التي وضعت لبنان في صورة بلد يصارع لحظات انهيار حقيقية قاسية وشرسة على كل المستويات، افتقد الواقع السياسي أي معطيات جديدة يمكن الرهان عليها لاجتراح مخرج انقاذي من الكارثة، بل ان كل المعطيات اكدت الدوران والتخبط في دوامة العقم العبثي الذي يحاصر ازمة #تشكيل الحكومة. وفي ظل هذا الانسداد، واصل الدولار ارتفاعه متخطيا عتبة الـ13 الف ليرة وبلغ في بعض التعاملات على قلتها سقف الـ13500 ليرة، الامر الذي دفع بإعداد كبيرة من المواطنين الى التهافت على السوبرماركت لشراء السلع الغذائية والاستهلاكية الضرورية قبل رفع الأسعار، كما ان عددا كبيرا من المتاجر عمد الى اقفال أبوابه في مختلف المناطق، فيما بدأ قطع الطرق في المناطق احتجاجا على الغلاء والاوضاع المعيشية، كما دفع الامر الصرافين الى اقفال ابوابهم بعد تجمعات غاضبة لشبان امام محال الصيرفة. وحال الخوف من الارتفاع المتواصل للاسعار دون استمرار تسليم البضائع الى المتاجر الكبرى.




وما يزيد المشهد قتامة ان سيف العتمة لا يزال مصلتاً على لبنان فيما يُناقش مشروع القانون الخاص بإعطاء سلفة بـ1500 مليار ليرة للكهرباء اليوم في جلسة اللجان النيابية المشتركة، تمهيدا لإقراره على الارجح بقيمة مخفّضة. وتشير المعطيات عشية الجلسة الى توقع مواجهات حادة بين النواب حول هذا الاقتراح الذي قدمه “تكتل لبنان القوي”. وفي حين توقعت مصادر نيابية سير المجلس في النهاية في اتجاه توفير المبالغ المطلوبة لوزارة الطاقة وتاليا لمؤسسة الكهرباء لعدم تحميله مسؤولية الوقوع في العتمة الشاملة التي يلوّح بها الوزير ريمون غجر اذا لم يتم التصديق على الاقتراح. الا انها استبعدت اقرار السلفة المطلوبة كما هي، متوقعة ان يصار الى تجزئتها بحيث تعطى على دفعات شهرية وليس لمدة سنة خصوصا وأن الجلسة ستكون صاخبة وستتحول الى مساءلة حول الهدر في وزارة الطاقة ومؤسسة الكهرباء الذي استنزف الخزينة.


المصدر: النهار