يوسف بزي - المدن

هزيمة الثورة و”انتصار” بشار الأسد وسحق لبنان – يوسف بزي – المدن

كل الأسباب الداخلية لانهيار النظام السياسي والاقتصادي في لبنان معروفة ومفهومة. علاقات الطوائف ببعضها البعض، سيادة نموذج القائد الفرد هو الحزب هو الطائفة هو الدولة (عصبة السبعة)، انتصار الميليشياوية على الدولة. أما النتائج “الباهرة” فهي أيضاً معروفة ومرئية ومعيوشة: الإفلاس مقروناً بالفساد الشامل.

ما لا يعترف به اللبنانيون عمداً أو سهواً وخداعاً للنفس، أن ما أصابهم وما جعل كيانهم خرباً وجمهوريتهم معطلة ودولتهم فاشلة، يعود سببه الأكبر إلى “المأساة السورية” تحديداً. إذ نادراً ما يتجرأ السياسيون والإعلاميون اللبنانيون على الربط بين هول ما حدث في سوريا وانعكاساته العميقة والمباشرة على لبنان.




الإنكار أو العماء يمنعان معظم اللبنانيين عن الانتباه إلى أن مصيبتهم هي نتاج طبيعي لدورهم المباشر والمؤثر في المصير السوري، علاوة عن دور النظام السوري نفسه في الداخل اللبناني، وإباحة شطر راجح وقوي من اللبنانيين بلدهم لصالح “المجهود الحربي” (والاقتصادي والدعائي) للنظام السوري، وتسخير مقدراته وحدوده ومرافقه لخدمة آلة الحرب الرهيبة.

الظن الساذج أن واحدة من أشد الكوارث هولاً منذ نهاية الحرب العالمية الثانية، أفضت إلى مقتل ما لا يقلّ عن 800 ألف إنسان، وأكثر من مليونيّ مصاب، وحوالى 11 مليون مشرد، وخراب لا يوصف في سعته وشموليته، في دولة مجاورة ومتداخلة على نحو حميم وعميق للبنان.. الظن أن هذا كله لا أثر له ولا دور في تصدع الكيان، وحصره بأعباء اللاجئين وحسب، هو أكبر خدعة تم إقناع اللبنانيين بها.

الإغفال المتعمد، الرسمي والشعبي، لـ”المسؤولية” السياسية والأخلاقية التي يتحملها لبنان جراء دوره المباشر والفعلي في الحرب السورية، هو ما يمنع اللبنانيين عن إدراك الأسباب الحقيقية لما حلّ بهم تدريجياً منذ اللحظة التي كذب فيها لبنان على العالم معلناً لفظياً “النأي بالنفس”، ومتورطاً عملياً بتحالف وشراكة عسكرية ومالية ولوجيستية وإعلامية مع نظام بشار الأسد.

التشاطر اللبناني ومحاولة استغباء الدول العربية والمجتمع الدولي، وادعاء البراء من “الجريمة”، كان تشاطراً مفضوحاً فاقم الاستياء والاشمئزاز من السلوك اللبناني الذي يمكن القول أنه يؤكد صورة الوضاعة التي يتصف بها سياسيو لبنان (وإعلامه). بل إن النزعة الدائمة لاضطهاد اللاجئين السوريين في لبنان وإيذائهم والتمييز المشين بحقهم متأتية على الأغلب من رغبة المذنب بتحطيم المرآة التي تفضح ذنبه.

هكذا يخبّئ “العوني” خطيئته جاعلاً اللاجئ الضعيف ضحيةً مرتين. المرة الأولى عندما هجّره “التطهير الطائفي” المسنود بخطاب “حماية الأقليات”، والمرة الثانية عندما رمى عليه مسؤولية كل المصائب التي حلّت بلبنان: اللاجئ مسؤول عن تلوث الهواء.

وهكذا يخبّئ الحزباللهي ذنبه الكبير، فيحيل اللاجئين إلى كتلة إرهابيين داعشيين، فائض من السنّة التكفيريين، أو بأحسن الأحوال مجرد بشر غُرر بهم وخرجوا بإرادتهم من بلادهم مع كتمان أي سؤال عن السبب أو عن المسؤول عما حلّ بهم.

بل وهكذا تخبئ الحكومات اللبنانية المتعاقبة مسؤوليتها الحقوقية والسياسية عن تسخير مقدرات البلاد ومرافقها وموانئها ومطارها ومعابرها الحدودية ومنظومتها المصرفية لمساعدة ودعم حكومة دمشق وجيشها.

لبنان كدولة سيّدة مستقلة (ولو نظرياً) يتحمل تبعات قراراته وأفعاله ومواقفه. سنوات من الرياء بذريعة أن الحكومة ضعيفة وإن قرارها مسلوب لم ينطلِ على أحد. فالتواطؤ مع النظام السوري كان حتى ممن هم ليسوا حلفائه التقليديين، وغالباً بما يتناسب مع “أخلاق” تجار الحرب والتكسب غير المشروع. وهذا ما ينطبق تماماً على أهل السلطة اللبنانية وكبار الاقتصاديين والتجار والمصرفيين.

يتلهى اللبنانيون -بمعية وسائل إعلامهم- في ظواهر أزماتهم من غير البحث الفعلي والحقيقي بأسبابها الجوهرية.

فلو صحت الفرضية القوية أن نيترات الأمونيوم التي دمرت بيروت تعود للنظام السوري، عندها نكون أمام مثال ساطع عياني ومشهود على التبعات التدميرية التي نكبت لبنان بفعل التورط المباشر في الحرب السورية، وبفعل الانحياز إلى جانب نظام منبوذ وغير شرعي ومحاصر عربياً ودولياً.

لا يريد اللبنانيون الإقرار أن الانخراط العميق في جهود إيران وحزب الله وبشار الأسد بالحرب، هو الذي أدى إلى توريط النظام المصرفي إلى حد التفريط به وفقدان الثقة به وإخراجه عملياً من النظام المالي العالمي.

لا يريد اللبنانيون الاعتراف أن عزلة بلدهم ووقوعه تحت وطأة المعاقبة، وانقطاع صلاتهم الديبلوماسية والاقتصادية وحتى الثقافية بالعالم العربي والغرب، كان وقعه مدمراً لمقومات البلد ومستوى معيشته ومصادر اقتصاده.

لا يريد اللبنانيون معرفة أن انتهاكهم للقوانين الدولية كما تخليهم عن مسؤولية حدودهم، أفضى إلى تحويل لبنان برمته واقتصاده كله إلى عبارة عن سوق سوداء لكل شيء: العملة الصعبة، النفط، الطحين، الأدوية، نيترات الأمونيوم، المرتزقة، الأغذية والملبوسات والذهب والسيارات.. بل وحتى السياسة الخارجية تحولت إلى السوق السوداء.

أبعد من “الكارثة الاقتصادية” هو الأثر المديد وإلى زمن بعيد لما جلبته هذه الشراكة مع نظام الأسد في اقتراف المذبحة السورية، على مستقبل لبنان وهويته وعلاقات جماعاته بين بعضها البعض ومع الشعب السوري مستقبلاً. فتلك الشراكة وذنوبها ومضاعفاتها وأثمانها لم تظهر نتائجها بعد. إرث العونية (ودور الكنيسة أيضاً في مرحلة من المراحل) المتعارض مع تاريخ المقاومة المسيحية للاستبداد الأسدي، تسبب بانفصام مؤذ بين المسيحيين والقيم التي كانوا ينحازون إليها ثقافياً وسياسياً، إن في اعتناقهم للمثل الديموقراطية والليبرالية الاجتماعية أو في حرصهم على الاقتصاد الحر وانفتاحهم على الغرب وقيمه..

أما إرث الشيعية السياسية، وحزب الله خصوصاً، فهو أفدح. الجرح المذهبي سيتحول إلى عبء تاريخي من الصعب دمله. سيمتد في الزمن من غير توقف، تماماً كما لم ينسَ الشيعة ما فعله بني أميّة بهم. كما أن النموذج الذي أرساه الحزب (وإيران) في لبنان والمشرق العربي في تمزيق الهوية الوطنية وإزالة الحدود وتهشيم الدولة وإحلال السوق السوداء محل الاقتصاد وتنصيب الحرب عماداً وحيداً لإعادة تركيب المجتمع، سيفتك على نحو شامل وجذري بمقومات “لبنان” كما عرفناه. سيكون تغييراً أيديولوجياً ماحقاً. إن ما نراه من هجرة نوعية لـ”زبدة” المجتمع اللبناني ونخبته، هو خسارة لا يمكن تعويضها عبر أجيال متتالية، وسيمهد أكثر لجعل لبنان أكثر فقراً وأكثر إدقاعاً ومكاناً للعيش البائس.

التغيير الأيديولوجي هذا والذي يواظب حزب الله بعناد على تنفيذه، سيطيح بتلك المميزات التي منحت لبنان بعض قوته واختلافه، جامعاته ومصارفه ورجال أعماله وطبقة المثقفين والبرجوازية المتعلمة ومنظومة الحريات.. إلخ. وهذا من ثمرات انتصاره بالحرب السورية. فتلك الانتصارات العسكرية لا يمكن تبديدها من دون استثمار في داخل لبناني يريده منساقاً معه في مشروعه السياسي والأيديولوجي الكبير.

والأفدح من كل هذا أن “سوريا الأسد” التي لطالما حلمت بتدمير تلك “المميزات اللبنانية” وعداوتها العميقة لكل ما يمنح لبنان اختلافه، أكان نظاماً مصرفياً أو تعددية سياسية أو اقتصاداً حراً أو ثقافة ليبرالية أو صحافة حرة أو علاقة عضوية ومنفتحة على الغرب والعالم، باتت اليوم منتصرة وقادرة بالشراكة مع حلفائها اللبنانيين على أخذ لبنان إلى التصحر والخراب اللذين حققهما بشار الأسد في سوريا، على نحو لا يعود لبنان ذاك الجار الذي يفضح تفاهة الدولة المتسلطة وفشلها.. ذاك الجار الذي كان ينظر إليه السوريون بعين الحسرة على حالهم وبشعور النقمة على نظامهم. وهذا هو انتصار بشار الأسد الحقيقي: سحق هذا الـ”لبنان”.

أما وقد حدث هذا كله تحت شعار “الطريق إلى القدس”، فيجب التذكير أن سحق لبنان كان حلم إسرائيل أيضاً.