الثقافة في لبنان تحت رحمة الدولار والفايروس وانفجار المرفأ

على غرار مختلف الدول الأخرى إثر انتشار فايروس كورونا المستجد في القطاع الثقافي بلبنان، الذي يعدّ من أبرز أقطاب الثقافة العربية والعالمية، حيث ألغيت المعارض وخفّت إصدارات الكتب وشلّت الحركة الثقافية.

الدولة، ممثلة بوزارة الثقافة، عملت كل ما في وسعها للنهوض بالقطاع، وكان لوزير الثقافة في حكومة تصريف الأعمال عباس مرتضى دور فاعل، ولاسيما بعد انفجار 4 أغسطس الذي دمر أحياء تراثية في بيروت، وسارع بإطلاق خطة وطنية لإعادة وتأهيل الأبنية التراثية في العاصمة.




مبان تراثية

أطلقت وزارة الثقافة اللبنانية صرخة للمعنيين محليا ودوليا للمساعدة في تسريع عملية تدعيم تلك الأبنية في المنطقة المنكوبة من بيروت. وقال مرتضى “إنها صرخة عجز ونداء استغاثة إلى كل المهتمين لحثهم على تقديم الدعم للحفاظ على واجهة بيروت التراثية وعدم حصر الاهتمام في الأبنية التراثية التي تضم مؤسسات رسمية، بل يتعداها ليشمل كل الأبنية التراثية”.

واستقبلت المديرة العامة لمنظمة اليونيسكو أودري أزولاي، التي جالت مع الوفد المرافق في أرجاء المتحف الوطني واطلعت على الأضرار التي لحقت به جراء انفجار المرفأ. وعلى هامش الجولة، تناول اللقاء “الرغبة المشتركة بين الطرفين في دعم ومتابعة عملية تأهيل وترميم الأبنية التراثية التي تضررت في المنطقة المنكوبة من بيروت، بإشراف وزارة الثقافة، على أن تتولى اليونيسكو تأمين الدعم والتواصل مع المنظمات والجهات الراغبة في المساعدة”.

وقدّم مرتضى ملفا متكاملا وتقريرا مفصلا عن هذه الأبنية ومدى الضرر الذي لحق بها. وتطرّق إلى الإجراءات الاحترازية التي اتخذتها كل من وزارة الثقافة ووزارة المالية لحماية هذه الأبنية خلال فترة ترميمها من جشع سماسرة العقارات، الأمر الذي أثنت عليه أزولاي في ختام جولتها.

الانفجار غيّر وجه بيروت، والأزمة الاقتصادية والجائحة مثّلا الضربة شبه القاضية لقطاع النشر والثقافة والفنون

وقد سعت وزارة الثقافة إلى استقبال اختصاصيين عالميين لإنقاذ ما يمكن إنقاذه، ومن بينهم وفد من وزارة الثقافة الإيطالية “متحدون لأجل التراث”، والذين أتوا إلى لبنان لتقديم المشورة والدعم لقطاع الثقافة والتراث المتضرر من جرّاء انفجار مرفأ بيروت الكارثي.

وحيا مرتضى الفريق الإيطالي على اندفاعه، وقال “الأمر ليس مستغربا من قبل الدولة الإيطالية في الوقوف إلى جانب لبنان ويتجلى ذلك في الكثير من المشاريع الثقافية. إن جهود الفريق الإيطالي محطّ تقدير من قبل الحكومة اللبنانية للتدخل السريع في محاولة لإنقاذ واجهة بيروت التراثية”.

ووقع وزير الثقافة اتفاقية تعاون بين مديرية الآثار ومصلحة سكك الحديد والنقل المشترك قضت بإقامة ملتقى ثقافي للمجتمع المحلي والعاملين في القطاع الثقافي في بيروت التي تضم أبنية تراثية تضررت بفعل انفجار المرفأ.

إن أزمات عدة أثرت على القطاع الثقافي والسياحي وجهدت الدولة في حلها لكن، على الأرض، ظهرت صعوبات كثيرة حالت دون تخطيها، وربما يعتبر قطاع النشر الأكثر تضررا رغم مكانة لبنان في عالم صناعة الكتب، وهو ما يؤكده أصحاب دور النشر ومنظمو معارض.

أزمة الكتاب

مأسي الحياة (لوحة للفنان سيروان باران)
مأسي الحياة (لوحة للفنان سيروان باران)

تشير نقيبة دور النشر سميرة عاصي إلى أن “وباء كورونا والأزمة الاقتصادية انعكسا سلبا على دور النشر كباقي القطاعات”، لافتة إلى أن “هناك تراجعا في نسبة القراء والمبيعات إذ سُجل تراجع في هذا القطاع بنسبة 70 في المئة”، مناشدة “تقديم الدعم إلى هذا القطاع الذي يوفّر العملة الصعبة للبلد، وفي المقابل لا يكلفها شيئا. كنا نتخطى كل الصعاب بجهودنا واتصالاتنا وعلاقاتنا بالخارج لكن القطاع الآن ينهار”.

وتلفت عاصي إلى أن “هناك عددا من دور النشر بصدد الإقفال في ظل عدم إقامة معارض بسبب كورونا، إذ كانت دور النشر اللبنانية تشارك في الكثير من المعارض، آخرها معرض مسقط والشارقة خلال أزمة كورونا”.

وتقول “نحن مرغمون على خفض الإصدارات لعدم توفر أسواق للتصريف. ويعمل في هذا القطاع، بالإضافة إلى المؤلفين والكتاب، عمال المطابع وموظفون في دور النشر، وبالتالي كل هؤلاء يتأثرون بفعل تراجع هذا القطاع”، مشيرة إلى “أزمة ارتفاع سعر الدولار التي انعكست أيضا على دور النشر إذ يتم شراء المستلزمات بالدولار من ورق وحبر وغيرهما”.

وتختم عاصي “قبل عامين، كنا نشارك في حوالي 21 معرضا في العالم، وكان ذلك هو المنفذ الوحيد للناشر. أما اليوم فقد ألغيت المعارض وبخاصة معرض بيروت.

هناك 400 دار نشر تعاني أزمة حقيقية والدولة غائبة. من هنا نطالب بالالتفات إليها ودعمها وإلغاء بعض الرسوم والضرائب وخفض رسوم الشحن التي يتم احتسابها بالدولار أيضا، لأنها لا تعمل منذ عامين، ونطالب وزارة الثقافة بشراء كتب الناشرين كتشجيع لهم، ونناشد وزير الثقافة الطلب من المصارف الإفراج عن أموالهم حتى يتمكنوا من استيراد مستلزماتهم”.

لبنان الذي كان منارة الشرق في إنتاج وتصدير الكتاب أصبح اليوم يعاني كساده في مخازن الناشرين

بدوره يرى المدير العام لـ”دار الأمير للثقافة والعلوم” في بيروت محمد بزي أن “جائحة كورونا لم تكن آخر المصاعب التي واجهها ويواجهها قطاع النشر في لبنان، نعم كانت أكبرها، لكن سبقها انهيار العملة الوطنية مقابل الدولار الأميركي، والأزمات الاقتصادية والاجتماعية المتلاحقة منذ عام 2019، أضف إليها حجز الأموال في البنوك وما رافقها من صعوبة التحويلات إلى الخارج لاستيراد الورق والمواد الأولية للطباعة”.

ويضيف “أتت جائحة كورونا لتكون بمثابة الضربة شبه القاضية لهذا القطاع، حيث ألغيت المعارض الدولية، والكثير من الدول توقفت عن الاستيراد إلا للحاجات الضرورية ما ساهم إلى حد كبير في حصار الكتاب وكساده”.

ويتابع بزي “كذلك وبسبب كورونا أيضا، تعزز التوجه للكتاب الإلكتروني، وأحيانا من غير حقوق للنشر، بمعنى أن الكثير من الكتب الضرورية تم رفعها على شبكة الإنترنت مجانا، الأمر الذي ساهم في تضييع حقوق المؤلف والناشر على حدّ سواء. أمر آخر ولعله أخطر ما واجهه الناشر اللبناني جراء جائحة كورونا وهو تزوير الكتب واستنساخها ورقيا بحجة عدم إمكان إيصالها بسبب الجائحة وتبعاتها، وهو ما حصل معنا في دار الأمير في أكثر من بلد خاصة في كل من العراق وإيران أخيرا حيث أقدمت أكثر من جهة على استنساخ كتب الدكتور علي شريعتي الصادرة عن دار الأمير في بيروت ونشرها بالآلاف من النسخ الورقية المزورة”.

ويختم “مع تدافع هذه الأزمات على الناشر اللبناني، فإن الوضع لا يبشر بالخير إطلاقا، لأن الناشر محكوم بالإنفاق (رواتب وإجارات وأعباء) رغم توقف عجلة النشر والتوزيع لأكثر من سنة، فهل يستطيع الناشر غير المدعوم من الدولة الصمود أكثر؟ لا أظن ذلك، لبنان الذي كان منارة الشرق في إنتاج وتصدير الكتاب، أصبح اليوم يعاني كساده في مخازن الناشرين”.

وتتوالى الخسارات التي سببها كورونا، حيث لن ينسى اللبنانيون والعرب فنانين وممثلين خسرهم بسبب مضاعفات إصابتهم بفايروس كورونا، فخسر الفن والثقافة عمالقة طبعوا لبنان بأسمائهم وعطاءاتهم السخية إلى الأبد.