//Put this in the section //Vbout Automation

عندما أخفقت 14 آذار وتهاوت ثوابتها… هل نتذكر تسوية تنصيب ميشال عون رئيساً؟

ابراهيم حيدر – النهار

مرّت 16 سنة من عمر 14 اذار الاستقلالية، إذا كان يصح إطلاق هذا الوصف على قوى تفككت اصلاً منذ عام 2008، تاريخ التسوية التي أنجزت في الدوحة بعد 7 أيار حين نزل “حزب الله” بسلاحه في بيروت، فكرّس هذا الاتفاق تقاليد وأعراف جديدة في تشكيل الحكومات والرئاسة وفي ما سمي الثلث المعطل، وهو ما يجري اليوم من تعطيل يتصدره رئيس الجمهورية ميشال #عون بشروطه، في وجه البلد أولاً، ثم ضد الرئيس المكلف سعد الحريري الذي كان أحد الأقطاب الرئيسيين لقوى 14 أذار التي تشكلت بعد اغتيال الرئيس رفيق الحريري. تفككت 14 أذار أيضاً بعدما صعد نجم “حزب الله” إثر حرب تموز 2006 الإسرائيلية، والذي كان عنصر القوة الرئيسي لقوى 8 اذار، ففي أول محطة مفصلية خارجية تآكل الكثير مما تحقق، بالرغم من الصراع الملتهب الذي رافق المرحلة اللبنانية والإنشطار الذي لحق بكل المكونات. ولعل السنوات العجاف التي أتت بعد تلك المرحلة كانت كفيلة بتدمير الصيغة اللبنانية، حيث نال التآكل البنية الاجتماعية اللبنانية، لينتج الصراع مجدداً اصطفافات معظمها موال للخارج، فصار كل خارجي حليفاً، إذا ما كانت هويته المذهبية ذات هوية الفئة المحلية، ولا مجال للتسويات الداخلية.




ليس الكلام عن حركة 14 آذار في مواجهة 8 اذار، فهذا الاصطفاف لم يعد موجوداً على ما كان سائداً الإنشطار اللبناني بين خيارين وقوتين في 2005. فالكلام يطرح هنا التساؤل عن 14 اذار وما إذا في الأصل كانت قادرة على السير بمشروعها الاستقلالي والسيادي الديموقراطي في مواجهة الهيمنة والوصاية على البلد، قبل أن تتفكك مكوناتها باتجاهات مختلفة لنكتشف أن الخارج هو المقرر في النهاية في الحياة السياسية اللبنانية، فيما العامل الداخلي لا يعدو كونه جزءاً من اللعبة التي تساعد في ترجيح كفة طرف على آخر، وأطرافه الطائفية تسعى إلى ضمان مصالحها عبر المحاصصة والدفاع عن مكتسباتها في النظام.
رهانات الاستقلاليين على ما كان يطلق على 14 أذار لم تنطبق على حسابات البيدر. فخروج الجيش السوري من لبنان في 26 نيسان 2005 لم يكن ليعيد بناء الصيغة اللبنانية، طالما أن البلد كان مهشماً على كل المستويات، ويعاني من انقسام داخلي، أقله حين خرج السيد حسن نصرالله في 8 اذار ليقول بالفم الملآن “شكراً سوريا”، وليتضح في ما بعد أن شرارة الانهيار والتدمير انطلقت منذ ذلك الوقت. لم يكن يقدّر لقوى 14 أذار أن تنجز شعاراتها الاستقلالية في ظل الانقسام اللبناني الطائفي والسياسي، ولذا شهدنا التسويات بين أطراف الحكم والقوى السياسية والطائفية، وهي ساهمت في إفلاس البلد. ونحن نسير على خط الانهيار بعد سنة واحدة على 2005، لم تصمد هذه القوى أمام صعود الهيمنة الجديدة بعد 7 أيار 2008، حيث ظهر الصراع على اشده وكرّس اتفاق الدوحة هيمنة فائض القوة وفتح على ممارسات وتقاليد مختلفة عن الصيغة اللبنانية وعن اتفاق الطائف. وها هو لبنان يستمر منذ ذلك التاريخ في أزمات اسبابها معروفة، ولنتذكر أن طرفين اساسيين من قوى 14 أذار حملا ميشال عون إلى الرئاسة في 2016، وكرسا سابقة بانتخاب مرشح وحيد وكأنه عملية تعيين بما يتجاوز كل التفاهمات والتسويات التي كانت تقوم في البلد. هذا قبل 3 سنوات من انكسار التسوية التي خرج فيها سعد الحريري من الحكومة بعد انتفاضة 17 تشرين الأول 2019، ليعود رئيساً مكلفاً لكن ليس من موقعه في 14 أذار انما من خلال التوازنات الطائفية اللبنانية.

اخفقت 14 آذار، في سياق الفشل اللبناني كله الذي له تاريخ مستمر، من انقسامات وتكتلات وفق إيقاعات أهلية تتجدد دائماً، لكن معطياتها اللبنانية ليست نفسهاعلى الصعيد الداخلي، ولا تشبه سابقاتها، إذا ما وضعت داخل الإطار العربي والإقليمي والدولي الراهن. اللبنانيون غير قادرين على الخروج أو خرق الإنسداد العام، بعدم قدرة أي طرف على فرض غلبته، رغم رهن وعرقلة السياق السياسي الداخلي العام. وفي الواقع الذي نعيشه اليوم يعبر هذا الفشل عن العجز عن فوز أية قوة بالهيمنة على كامل مجريات التشكيلة اللبنانية، على رغم أن فائض قوة 8 أذار أي “حزب الله” يتحكم بمفاصل كثيرة، وفي إمكان أطراف كثيرين تعطيل الحياة السياسية والدفع بالبلد نحو الانهيار كما يحصل اليوم بمحاولة كل فريق تحسين شروطه على الأرض.

لا يُطرح السؤال اليوم عما إذا 14 آذار كانت أمينة لتاريخها ولموقعها، لنكتشف أن المشكلة في الأساس في بنيتها، فهل كان مصيرها فعلاً آيل الى السقوط؟ والسقوط يعني اندراج قواها ومكوناتها في التسويات التي تأخذها الى الأصل، اي الى التوازنات الطائفية ومصالحها، اذا اعتبرنا أن المسلمين في لبنان بمكوناتهم السياسية يسعون إلى التمسك بما حققوه منذ اتفاق الطائف، فيما تكافح المسيحية السياسية لكي تبقى في دائرة “تحديد الخسائر”، وهذا الصراع استثمره العهد لتكريس أعراف وتقاليد كصلاحيات أمر واقع عبر الاستقواء بحليفه “حزب الله” والتغطية على مشاريعه، ثم التمترس في القصر وعدم التنازل عن الشروط للوصول الى تسوية لتشكيل الحكومة. وقد عجز فريق 14 آذار عن إيصال رئيس يشبهه. حصل ذلك في تسوية 2008، ثم كان العجز الكبير الذي أنهى رسمياً تحالف هذه القوى بانتخاب ميشال عون رئيساً. هذا الفريق ربما كان غير راغب أيضاً بتقديم شخصية تغلب حياديتها الوطنية على انحيازها الأهلي.

كانت الثوابت عند 14 أذار تتهاوى سنة بعد سنة، وتفقد من رصيدها. منذ زمن لم يعد الحديث عن بناء الدولة، أولوية أو ثابتاً، فالثابت قابع في مكان آخر لدى الجميع، وبات مشتركاً. الطائفية والمذهبية تظلل الثوابت المطروحة، من موقع التمسك ببعضها، ورفض منطق بعضها الآخر، فيما الخارج يبقى تأثيره حاسماً في المعادلة الداخلية. ربما كان الخارج تخلى عن دعمه لـ14 أذار منذ زمن وساهم أيضاً في افتراق مكوناتها، إذ أن حسابات الخارج تتبدل أيضاً. 14 اذار داخلياً لم تصل الى خلاصات مفيدة، وهي انتهت مع انتخاب ميشال عون أو مما تبقى منها حين ارتسمت ملامح صورة جديدة للوضع اللبناني وظهرت الأسئلة القلقة عن شكل الحكم في البلد، والذي نشهد تجلياته اليوم في صورة الانهيار الشامل وتلاشي الدولة والسقوط المريع للمؤسسات لمصلحة القوى الأهلية والطائفية.