الاستقرار النقدي واجب دستوري وزيادة الرواتب لا تنفع…

منال شعيا – النهار

هي “منصات في الخارج تعمل على التلاعب بسعر الدولار”. بهذه العبارة برّر قصر بعبدا الارتفاع الجنوني في سعر الدولار، وكأن اللبناني الذي يعيش رهينة عمل بعض الصرافين وحساباتهم يهمّه التفتيش عن هذه المنصات او “الاعيبها المالية”.




منذ ما يزيد عن العام، والشعب اللبناني بات يسير وفق اهواء الصرف وتعاميم مصرف لبنان، فضلاً عن قرارات المصارف، كل منها على حدة، كما لو ان الذي يملك المال بات مثل الذي لا يملكه، فكيف بالنسبة الى من بات يعيش تحت خط الفقر بأشواط واشواط؟!

هي لعبة السوق، ولعبة العرض والطلب التي توصل في عز الازمات المالية الى تضخم غير مسبوق، كما يحصل الان، الى درجة يصبح تأمين لقمة العيش كأنه من المهمات الصعبة على كل عائلة وفرد، وسط انخفاض القدرة الشرائية يوما بعد يوم، والاحتكام الى اهواء التجار. عند كل تاجر سعر صرف محدد لليرة اللبنانية يختلف عن الاخر. هذا من دون التحدث عن خطورة رفع الدعم عن السلع الأساسية والذي نصل اليه رويدا رويدا.

وسط كل ذلك، يبدو الصرافون وكأنهم ينظمون حياتنا، وفي هذا الامر مؤشر اكثر من خطير.
فهل من قراءة دستورية يمكن ان تعطى لهذه المسألة؟
ينطلق الخبير الدستوري الدكتور عصام اسماعيل من مقاربة واضحة تقول: “ان حماية الاستقرار النقدي #واجب دستوري”.

ويشرح لـ”النهار”: “قبل البحث في النصوص الدستورية، فإن حماية الاستقرار النقدي وضبط التداول بالعملة هو مبدأ دستوري يرتبط بالقانون الطبيعي وبمفهوم الدولة وحماية وجودها واستقرارها الذي له الأولوية، ويعدّ غاية تسمو على ما عداها من غايات، وتتاح في سبيل تحقيقها كل الوسائل، ولقد سمّاها المجلس الدستوري المصلحة العليا”.

من هنا، هل الحفاظ على العملة الوطنية يمكن ان يدخل في اطار مسؤوليات السلطة الدستورية؟
يجيب اسماعيل: “من بديهيات واجب الدولة الدستوري، الحفاظ على العملة الوطنية ومنع التلاعب بها، ولكن مع ذلك، فان السوق اللبنانية تشهد منذ فترة
ارتفاعا غير مبرر في أسعار السلع والخدمات. واذا اردنا ان نحصر الموضوع بالشق الدستوري، فإنه لا حاجة ابدا الى نصٍ دستوري صريح كي تتدخل السلطات الدستورية للحفاظ على مصلحة الدولة العليا”.

لذلك، لا نرى في مراجعة للنصوص الدستورية اي بند واضح او نص يتكلم بصراحة عن العملة الوطنية وحماية النقد المحلي، الا انه في الوقت نفسه، يمكن ان نستقي من مقدمة الدستور هذا الموجب بصورة غير مباشرة، الامر الذي يفسر عدم وضع نص خاص بالعملة الوطنية.

يوضح إسماعيل: “لقد حُرّم على السلطات الدستورية القيام بأي تصرف يلحق ضرراً فادحاً بالمصلحة الوطنية العليا، وتعتبر حماية النقد المحلي من هذه المصلحة، أو ان يتقرر تبرير المصلحة العليا بأي قيد لحقّ الملكية، لكون حق الملكية هو حق مصان دستوريا، والاموال والمدّخرات تعتبر حقا من حقوق الملكية”.
هكذا، اذا ارادت السلطة الاحتكام الى الدستور، فانها بلا شك تستطيع القيام بعمل ما من اجل حماية النقد والتي كفلها الدستور، لا ان تكتفي بالهاء اللبناني بامكان ضخ دولارات “وهمية” في السوق، فبذلك لن تلجم اصلا ارتفاع الاسعار ولا ارتفاع الدولار نفسه.

الحل الوهمي!
هذه القراءة تؤكد في السياق نفسه ان الحل لا يمكن ان يكون عبر طبع مزيد من العملات الوطنية، ولا عبر امرار اقتراحات قوانين عاجلة (كاقتراح النائب علي حسن خليل زيادة غلاء معيشة للعسكريين)، لان كل هذه الحلول الوهمية ستزيد اخطار التضخم، ولن تحل بالتأكيد أساس المشكلة النقدية – الاقتصادية – الاجتماعية – المعيشية.

الى هذه الدرجة باتت الازمة متشعبة وتصاعدية. ربما البعض يذكر انه في الصيف الفائت، تشكلّت “خلية أزمة مالية” اثر اجتماع لمجلس الوزراء، كانت مهمتها متابعة تطورات الوضعين المالي والنقدي وتطبيق القرارات. غير ان هذه الخلية لم تنتج أي حلول ولم يلمس اللبناني أي تحسن في معيشته، لا بل ازداد الوضع سوءا. استقالت الحكومة، وتُرك الشعب وحيدا حتى اللحظة… بلا إصلاحات جدية في بلد ينهار.

في الاساس، ثمة إشكالية كبيرة حول عمل عدد كبير من الصرافين الحاليين، وما اذا كان عملهم نظاميا، لا سيما ان قانون تنظيم مهنة الصرافين ناط بمصرف لبنان حق تطبيق العقوبات الإدارية والقانونية في حق الصرافين، تصل إلى حد الشطب.

ولكن، حتى الساعة، لا يزال اللبناني اسير اهواء التجار والصرافين معا، في بلد لا يكفي ان نقول عنه إنه “بلد منهار”، بل هو في قعر الانهيار الشامل… وفي كل القطاعات.