//Put this in the section //Vbout Automation
عقل العويط - النهار

قوّادون وعاهرون ومنافقون وكاذبون – عقل العويط – النهار

أنا يتيمٌ يتيمٌ يتيم إلى حدّ الشعور بالموت. ليس لأنّي فقدتُ والديَّ فحسب، بل لأنّ لبنان هو اليتيم. هذه عندي فجيعة الفجائع بل أمُّها قاطبةً. وهي فجيعةٌ شخصيّةٌ لي، لأنّي – لسببٍ (غير منطقيّ) لا أدرك كنهه – أشعر أنّها تسكنني وحيدًا، أو شبهَ وحيد.

إنّي أشعر هذا الشعور القاتل ليس لأنّي فوق العالَمين (حاشا)، وليس لعلّة الإحساس بالعظمة والتفوّق، أو الانتفاخ الذاتيّ. إذ ليس لمَن يقيم في حفرة، في تابوت، في مقبرة، أنْ ينتفخ بذاته، بل أنْ يتلوّى متألّما في وحشة قبره، بين صفحات كتاب، وأنْ ينسحب بانسحاقٍ معذِّب، داخل روحه المطعونة، وأنْ ينطوي انطواءً أبديًّا تراجيديًّا في ثيابه الرثّة البالية.




لا أشعر هذا الشعور لأنّي مقيمٌ “فوق”، أو منزَّهٌ، أو منتفخٌ بذاتي، ولا لأنّي متفوّقٌ و”عظيمٌ”. ليس هذا هو السبب بالتأكيد. ثمّةَ، ولا بدّ، سببٌ آخر، يجعلني رهين هذا اليتم، وهذه الفجيعة.

السببُ هو لبنان الذي ليس لبنان.
لبنان الذي من حقّه (الطبيعيّ والقانونيّ و… الشعريّ) أنْ يكون دولةً للأنسنة، وأنْ يكون مختبرًا للعقل الخلّاق، وأعمق قدْرًا، وأشدّ رحابةً، وأنْ يكون – في الأقلّ الأقلّ – أكبرَ أكبر من (كلّ) طوائفه ومذاهبه وأحزابه وتيّاراته ورؤسائه وزعمائه؛ هذا اللبنان ليس لبنان، لأنّه، في الواقع العملانيّ، أقلّ بكثير من هؤلاء، ولأنّه دونهم، و”تحتهم”، وتحت كراسيهم وطراريحهم (عجيزاتهم) وأقدامهم، ولأنّه بات، بأيديهم القذرة، أرضًا للتنازع والتملّك والاستلحاق والخراب، ولأنّه صار، بجهودهم الدنيئة لكن المثمرة، مرتعًا للقوّادين، وطاولةً للقمار، ولأنّه – يا لفجيعة الفجائع – صار، بفعائلهم الرهيبة، الفقيرَ الجائعَ المريضَ الملتاعَ والعبدَ الرهينَ المحتقَر، وصار الذبيحةَ المفترَسةَ المتضرّعةَ بين أضراس هؤلاء المسوخ والأقزام، ولأنّه يجثم كحجرِ الشطرنجِ اليائس فوق رقعة ألاعيبهم الجهنميّة الحقيرة.

أنا يتيمٌ يتيمٌ يتيم إلى حدّ الشعور بالموت. من أسباب فجيعتي أنّي لا أريد أنْ أكون وحيدًا في هذا الشعور. ولا يحقّ لي أنْ أكون وحيدًا فيه. إنّه لخطأٌ جسيمٌ أنْ أشعر هذا الشعور. لكنّي لسببٍ (غير منطقيّ) أشعر أنّي وحيدٌ ويتيم، على رغم أنّ كثيراتٍ وكُثُرًا غيري يشعرون هذا الشعور، ولا ينظرون إلى لبنان من ثقوب طوائفهم ومذاهبهم وأحزابهم وتيّاراتهم ورؤسائهم وزعمائهم.

لكنّ هؤلاء الذين أنا مثلهم (أو دونهم)، لم يصل شعورنا بالموت إلى حدّ الانقضاض القياميّ (الناجح) على هذا الموت، متمثّلا في زبانيّة الطوائف والمذاهب والأحزاب والتيّارات والرؤساء والزعماء، الذين يجب الاعتراف لهم (ولعبقريّاتهم)، بأنّهم يحتلّون لبنان، ويملكونه، بكلّ الطرق الممكنة وغير الممكنة.

المشكلة الكبرى أنّ قسمًا (هائلًا جدًّا) من اللبنانيّات واللبنانيّين لا يزال ينظر إلى لبنان من ثقب طائفته ومذهبه وحزبه وتيّاره ورئيسه وزعيمه. ليس من يتمٍ عندي يوازي هذا اليتم. وليس من فجيعةٍ (وطنيّةٍ) عندي توازي هذه الفجيعة. والويلُ ثمّ الويلُ ثمّ الويلُ، إذا خرج أحدُنا خروجًا فرديًّا حرًّا (وبطريقته) على قطيعه أو كرّازه. أو إذا أنزل رئيسًا أو زعيمًا عن عرش “الألوهة”، وانتقد “فريقًا” أكثر من انتقاد “فريق” آخر!

ما يُقال في هذا “الجانب” القطعانيّ، يقال عكسه في “الجانب” القطعانيّ المضادّ. جلّادون من هنا ومن هناك، في ظلّ هستيريا يوميّة متواصلة، والويل له ثمّ الويل ثمّ الويل، لمَن “يغرّد” وحيدًا. تقوم القيامة عليه ولا تقعد، ويذهب بعضهم في المديح أو في الهجاء (وفي الحالتين) في الأستذة والتوبيخ إلى حدودٍ لا يسمح بها العقل، ولا الأخلاق طبعًا.

أنا يتيمٌ يتيمٌ يتيم إلى حدّ الشعور بالموت. وللتذكير أذكّر بالآتي: ما لم يخرج أهل الطوائف والمذاهب والأحزاب والتيّارات والرؤساء والزعماء، خروجًا مهيبًا على هؤلاء، على كلّ هؤلاء، من أجل لبنان دولةً للأنسنة، عبثًا يبقى لبنان.
كلّكم تعتبرون أنفسكم أكبر من لبنان.

قوّادون عاهرون منافقون كاذبون، إلى أنْ تثبتوا العكس، و… يبقى لبنان!