لبنان كله أصغر من علبة حليب!!

مريم مشتاوي – القدس العربي

انتشر هذا الأسبوع – مثل النار في الهشيم – فيديو، أقل ما يمكن وصفه إنه مدمرٌ، وقد هز مواقع التواصل الاجتماعي بشدة ومعها كل من تابعه..
إنه مقطع صغير جداً، ولكنه بحجم الألم، الذي يلف لبنان ومواطنيه هذه الآيام.




يتضمن الفيديو مشهد عراك داخل أحد متاجر الأغذية في بيروت. عراك بين امرأة ورجل حول علبة حليب صغيرة. تحول المكان إلى ساحة قتال حقيقية للحصول على هذه العلبة – ضرب وصراخ وتكسير – شارك فيه كل من كان في المتجر الكبير، وهي صورة مصغرة لانفتاح بوابة الجحيم في بلد أغلق اقتصاده ودمرت ليرته ويتربع على خرابه ثلة من سراق المال العام وبارونات السلاح.

كان الهدف من معركة كل لبنان هذه علبة حليب يشدها الرجل إلى صدره، رافضاً التنازل عنها، ىبينما تصرخ السيدة من الناحية الأخرى بحرقة لأن طفلها الجائع ينتظر عودتها كي يأكل، وهي تمنيه بالحصول على الحليب منذ أسابيع، ولم تفلح، بسبب جفاف ضرع لبنان الأخضر المعطاء!

صرخة أخرى مشابهة تكررت على طريق الشويفات عند مفرق الصحرا، احتجاجاً على التردي المخيف للأوضاع المعيشية في البلاد.

والتقطتها كاميرا «أم تي في» اللبنانية. شاب في العشرينيات من عمره يصيح بأعلى صوته: عيب على شرفي إذا اشتريتها! يسأله مراسل القناة:
شو هو؟ الحليب؟ تجاهل الشاب سؤاله، وكرر الجملة ذاتها: عيب على شرفي إذا اشتريتها!

وكأنه في تكراره لهذه الجملة يؤكد لنفسه أنه لن يتمكن من إشباع طفله بعد اليوم. وكأنه بها يعلن موته على الملأ، دون تكلف أمام عدسات الكاميرا.
صرخة عجز. صرخة قهر واستسلام لواقع مر مدمر. لا نفس بشرية تقوى على احتمالها.

يغص الشاب وكأنه يحاول احتجاز دموعه وحبسها بقوة وهي على وشك أن تفلت منه: قنينة حليب بلاستيك صغيرة لإبني. كان سعرها خمسة آلاف ليرة لبنانية والآن أصبح سعرها أربعين ألف ليرة! قلت لصاحب المتجر: ما بدي ياها.. ما معي مصاري.. ما معي.. ما بقى معنا ناكل.. ما بقى معنا نشرب..

يا أخي، ما بدنا شي منهم.. سرقونا.. معليش يسرقونا.. بس يطعمونا؟!
ما عاد الشعب يريد أمواله المنهوبة.. فقط يريد أن يأكل.. هل هناك أقسى من جوع طفل؟!
كيف يمكن لمسؤول أن يشاهد هذا المقطع المصور ويكمل حياته بشكل طبيعي؟

لا يمكن أن يكون في داخل أي شخص ذرة واحدة من الإنسانية وتقع عيناه على مشهد كهذا ويبقى صنماً. لا بد أن يتحرك في داخله شيء.

ولكن للأسف الشديد، قد تتحرك الأصنام. وقد تبكي أيضا، ولكن ساستنا يبقون كما عرفناهم عديمي الأخلاق والضمير والتربية. لا يحركهم شيء أبداً!

ويبقى السؤال المحيّر: من أي صنف من البشر ينحدر هؤلاء الساسة، هل هم من البشر فعلا!؟

تدفقت تعليقات المواطنين على الـ«سوشيال ميديا». كانت كلها مؤلمة ومحملة بدعوات ومسبات للطاقم الحاكم في لبنان. كلها نابعة من إحباط وفقدان للأمل وانكسار مرير، لم يمر على هذا البلد الجميل في تاريخه منذ «سفربرلك».

من أبرز التعليقات التي جاءت تحت فيديو الأب المفجوع: الله سبحانه وتعالى قال الظالم سينال عقابه. رح يجي يوم ويتعاقبوا. إن الله يمهل ولا يهمل.. يلي عم يصير بلبنان لا يتقبله لا عقل ولا دين!

كما علقت إحدى السيدات قائلة: شي بيحرق القلب.. والله ما عاد فينا نتحمل نشوف هيك.. لوين واصل هالبلد بعد؟ وحتى إذا شي دولة قدمت مساعدة.. بيسرقوا المساعدة.. الله لا يوفقهم!

وسط الانهيار السائد وجنون الأسعار وانقطاع السلع الرئيسة والجوع المتسلل إلى البيوت وبكاء الأطفال يصحو الرئيس من نومه متسائلاً:
«شو صاير بالبلد؟»!

ما صاير شي! شوية ضجة وناس بلا فهم. بعد شوي بموتوا كلن.. وبسيطر الهدوء الكامل على البلد.. وبصير فيك تنام لساعات أطول «قبل الظهر» و«بعد الظهر».

فخامة الرئيس لم يكتف بذلك طبعاً، بل طلب من الأجهزة الأمنية أن تتصرف ضد المتظاهرين، معتبراً أن «ما يجري من قطع الطرقات يتجاوز مجرد التعبير عن الرأي إلى عمل تخريبي منظم يهدف إلى ضرب الاستقرار. إذا على الأجهزة الأمنية والعسكرية أن تقوم بواجباتها من دون تردد».

ضرب «الاستقرار»!

عن أي «استقرار» تتكلم يا فخامة الرئيس؟ لقد نسينا معنى تلك الكلمة في عهدك. لم نعد نعي سوى الخوف والقلق والوجع والتوتر والانهيار والصدمات القاتلة الواحدة تلوى الأخرى.

أيها الرئيس، لبنان الذي نحب «ذهب معك مع الريح». لم يبق منه سوى الدمار والخراب.. ربما لا ينقلون لك الحقيقة كلها.. ولا نعرف ماذا يخبرونك صباحاً حين يحضرون لك فنجان القهوة. ولكن أطفالنا جياع.. جياع… جياع!
الناس في الشوارع يخرّبون من شدة اليأس والظلم والنكران.. لقد وقفوا على الطرقات والساحات والشرفات والجسور زمناً ولم يسمعهم أحد..
أتعرف، ما هو شعور أب يرى ابنه أمامه يصرخ من شدة الجوع، وليس في جيبه قيمة علبة حليب صغيرة؟

لو كنت مكانه ماذا تفعل؟ هل كنت ستنتظره ليموت وتدفنه بصمت حفاظاً على استقرار وهمي لا أحد يراه سوى سكان القصر؟

لقد تعبنا. لا تطلب من الأموات أن يفوحوا مسكاً.. طبيعة الموت تستحضر روائح كريهة ونواحاً وخراباً قد يعم الجميع.

أنصفنا يا سيدي الرئيس إن كنت فعلاً «بي الكل» كما ادعيت أياما.