//Put this in the section //Vbout Automation

لبنان شعوبٌ وانفصامٌ… وجيشٌ تُعطِّله “المنظومة السياسيّة”!

سركيس نعوم – النهار

غالبيّة اللبنانيّين في صورة عامّة مُصابة بما يُسمّى طبيّاً انفصاماً في الشخصيّة. وقبل الخوض في تفاصيل هذه “التُهمة” يعتذر كاتب “الموقف هذا النهار” عن توجيهها لمُواطنيه. إذ أنّ الهدف من الإشارة إليه ليس الإهانة ولا الشماتة بل التوعية ولا سيّما بعدما أصبحوا في بلادهم “عبيداً” لطبقات سياسيّة تجدّد بعضها أكثر من مرّة، لكنّها لم تخرج عن سياستها العامّة. وهي استغلال السلطة من داخلها كما من خارجها لتحقيق هدفين. الأوّل المحافظة عليها برمش العيون وبالاستزلام للخارج وبالدمّ إذا لزم الأمر، كما باستغلال الانتماءات الدينيّة والمذهبيّة الصادقة عند الأنصار والمؤيّدين. الثاني “حلب” الدولة بمرافقها العامّة كلّها، و”حلب” القطاع الخاص بالتعاون مع أمرائه، بل بالشراكة معهم من أجل تكديس الثروات التي يوزّعون قسماً صغيراً جدّاً منها على مُنتخبيهم، كما من أجل منعهم من المطالبة بحقوقهم الطبيعيّة التي اعترفت لهم بها الأديان والمذاهب والمواثيق الدوليّة ومؤسّساتها. طبعاً هناك أمثلة كثيرة واقعيّة بل حقيقيّة يُمكن إيرادها في هذا المجال لتثبيت “التّهمة” المذكورة. لكنّ “الموقف هذا النهار” يكتفي بموضوع هو الآن مثار مناقشة وجدل وبحث بين الناس بل بين شعوبهم المختلفة والمتناقضة، كما بين قادتها وزعمائها الذين يواجهون لأوّل مرّة في تاريخ لبنان ومنذ “17 تشرين الأول 2019″ تحدّياً شعبيّاً واسعاً، زاد من حدّته انهيار الأوضاع الاقتصاديّة والماليّة والنقديّة والعملة الوطنيّة وتفاقم الفساد على نحو غير مقبول بالمقاييس العالميّة، و”موّت” دولتهم بعد تحوّلها دولة فاشلة صارت في آخر لائحة الدول “التعيسة” بعدما كانت في ماضٍ بعيد في وسط لائحة الدول النامية بل الناهضة في الشرق الأوسط. الموضوع هو دور الجيش خصوصاً في هذه المرحلة الصعبة حيث “الثورة الشعبيّة” وإن مُفكّكة تُهدّد الطبقات السياسيّة، كما تُهدِّد السلم الأهلي باحتمال تحوّلها في سرعة صراعات طائفيّة ومذهبيّة.




وتُهدّد في الوقت نفسه عهداً رئاسيّاً لا يتورّع سيّده عن ارتكاب الأخطاء وإن مُميتة ليس من أجل وطنه وشعبه الذي تحوَّل شعوباً بفضل أسلافه و#المنظومة السياسيّة بأسلافها كما بالحاليّين من أعضائها. فرئيس الدولة طالب منذ “17 تشرين” الجيش بفتح الطرقات وضرب مُقفليها ومُفتعلي الأحداث المُتنوّعة معتبراً مع حزبه “التيّار الوطني الحر” أنّ في الشارع حالة انقلابيّة عليه. ووريث حزبه النائب جبران باسيل يريد من الجيش ضرب أخصامه المسيحيّين (“قوات لبنانية” و”كتائب” و”مردة”…) وأخصامه المسلمين من سُنّة (الرئيس المُكلّف سعد الحريري و”حلفاؤه”) وشيعة (رئيس “أمل” ومجلس النوّاب نبيه برّي). وإذا لم يتجاوب الجيش وتحديداً قائده العماد جوزف عون يُصبح مُتواطئاً وتبدأ الحملات عليه. وحليف العهد أو راعيه بل حاميه الأوّل “حزب الله” يطلب دائماً من الجيش كما القوى الأمنيّة القيام بواجبها في مناطقه كما في المناطق الأخرى بعد استشراء الفساد فيها مثل تجارة المخدّرات والسرقات والقتل، وأيضاً في مرحلة الفقر هذه التي دفعت اللبنانيّين إلى الفوضى بحجّة مكافحته. ولا بأس إذا اجتمع هذان العاملان مع الرغبة اللبنانيّة العامّة في الانتقام وفي الإثراء غير المشروع بواسطة الجريمة والفوضى تماماً مثل زعمائهم وعشائرهم وأحزابهم الطائفيّة والمذهبيّة.
وأخصام هذا الحليف، وفي مقدّمهم “جعجع القوّات” و”شيخ الكتائب” و”بيك المردة” و”حريريّو المستقبل” و”بيك الدروز” يطالبون الجيش بنزع سلاح “حزب الله” وجيشه وبحلّ ميليشيات شيعيّة أخرى، وفرض القانون على المُخلّين به من أركان الدولة ومحميّاتهم خارجها. علماً أنّ هؤلاء أيضاً لا بُدّ أن يتدخَّل الجيش (ذراع الدولة) للتصدّي لمخالفاتهم القانونيّة و”الوطنيّة” التي يقومون بها، ولكن يُبرّرونها بأنّها لمواجهة التهديد الخارجي عبر “الشريك الوطني” أي “حزب الله”.

المجتمع الدولي مُصابٌ أيضاً بانفصام الشخصيّة. فهو يُطالب جيش لبنان بتطبيق القرار 1701 في الجنوب، ولا يفعل عمليّاً شيئاً سواء في المجال السياسي أو العسكري لفرض تطبيقه على نحوٍ كامل. والمجتمع الإقليمي مُصاب مثله بالانفصام نفسه. فإيران تهتمّ لمشروعها التوسُّعي في الإقليم، وأعداؤها العرب وفي مقدّمهم المملكة العربيّة السعوديّة يهتمّون بحماية دولهم وشعوبهم منها. ونتيجة ذلك وخيمة على لبنان إذ أنّ إنقاذه ممّا هو فيه ليس هدفاً عند الإثنين. وكلّ واحدٍ منهما يستعمله أو يستعمل أنصاره فيه للحرب بدلاً منه في المواجهة الشرسة التي يخوضان ضدّ بعضهما. طبعاً لا يمكن القول أنّ أيٍّ منهما يهمّه لبنان، علماً أنّ الإنصاف يقتضي الاعتراف بأنّ إيران ساعدت لبنان لتحرير الجنوب من إسرائيل، وبأنّ السعوديّة وحلفاءها العرب ساهموا في نهضته المُتنوّعة وفي إقالته من عثراته الماليّة والاقتصاديّة أكثر من مرّة. لكنّ الإنصاف يقتضي الاعتراف أيضاً بأنّ هذين المحورين يُدمّرانه اليوم بعدما تسبّبا بانهياره جرّاء انقساماته التي زاداها حدّة، وحرص كلٍّ منهما على ضمِّه إلى محوره وإن على حساب دمّ أبنائه.

هل يقوم الجيش بما يطلبه منه الأطراف المختلفون بل المتناقضون؟ يعرف هؤلاء أنّ الانقلاب مستحيل في لبنان لأنّه يقسم الجيش بل يفرطه، ويعرف قائده جوزف عون أنّ انفراطه يُنهي الكيان. وقد أكّد ذلك قبل يومين بعدما تواجَه ورئيس الجمهوريّة الذي سعى إلى زجِّه في آتون إخراج “الثوّار” من الشوارع المقطوعة بالقوّة. ويعرف أيضاً أنّه مُستهدف لا لسبب وطنيّ بل لخوف منه على حظوظ النائب جبران باسيل “وريثه” غير الشرعي في الرئاسة. ويعرف أنّ حليفه “حزب الله” لم يستسغ يوماً اقتراحاً تقدّم به “مواطنٌ” قبل نحو سنة يقضي بتعاونه والجيش للإمساك بالبلاد من دون انقلاب ومن دون مسٍّ بـ”المواقع” والإشراف على تنفيذ سياسة توقف التدهور والانهيارات وتُمكّن الناس من انتظار الحلول الكبرى في المنطقة من دون دم. لكنّ الاقتراح لم يلقَ القبول لأنّ “الحزب” قال “أنّه ليس مع الانقلابات”، ولأنّ قادة فيه قالوا “نحن لن نضرب إمكانات نجاحنا في تحقيق هدفنا الاستراتيجي أو مشروعنا بالتدخُّل في لبنان الداخل” رغم أنّه لبنان شعبهم والشعوب الأخرى.

انطلاقاً من ذلك كيف يمكن للجيش أن يتحرّك في ظلّ مقولة ثابتة لا شكّ في صحّتها هي أنّ الانقلاب في لبنان مستحيل، كما في ظلّ مقولة أخرى تأكّدت بعد “17 تشرين الأول 2019” حتّى الآن هي أنّ نجاح ثورة جامعة شاملة في لبنان أمرُ مستحيل؟ الجواب صعب. لكنّ المُعطيات المتوافرة تُفيد أنّ الدول المعنيّة بلبنان والعاملة بجدّ لمساعدته على ترتيب أوضاعه بالتي هي أحسن وفي مقدّمها أوروبا وتحديداً فرنسا لا تزال تُتابع السعي لإقناع الأفرقاء اللبنانيّين بتنفيذ مبادرتها التي عمادها تأليف حكومة مَهمَّة من اختصاصيّين مستقلّين رغم تنازلها بعض الشيء على هذا الصعيد أخيراً. لكنّ الأمل في نجاحها ليس كبيراً. لذلك فإنّها تعمل على خطٍّ آخر لإبعاد الإنحلال النهائي بل الكُلّي للبنان من خلال “العسكر” لكن من دون انقلابات. علماً أنّ جهات دوليّة كثيرة تعتبر أنّ تجربة ثلاثة رؤساء عسكريّين للبلاد بعد الحرب لا بأس بها إذ نجح إثنان منهم، وإن جزئيّاً وفشل الثالث. كما أنّها تعتبر أنّ تجربة الرئيس العسكري الرابع (وهو الأوّل) الذي تسلّم الرئاسة عام 1958 اللواء فؤاد شهاب ناجحة. يبدو أنّ الجهات المُشار إليها على اتصال بالرؤساء العسكريّين الثلاثة وقائد الجيش من أجل التوصُّل معهم إلى تفاهم ما يُهدّئ الأوضاع في لبنان ويُمكّنه من الانتظار. إلّا أنّ ردّ الفعل الأوّلي للمعنيّين بها في لبنان لم يكُن مُنسجماً ولا مُشجّعاً. فهل يُصبح لاحقاً مُشجّعاً لأنّ المحاولة التي أُجريت ستستمرّ؟