بين عون والحريري: انتظار الخطوة الأولى

مجد بو مجاهد – النهار

لا يزال من المبكر التعبير عن إيجابيّات مُحقّقة في #الملف الحكوميّ بعد المبادرة الهادفة إلى تقريب وجهات النظر بين بعبدا و”بيت الوسط”، لأنّ المعطى الدقيق الأوّل الذي يمكن تأكيده في هذا المجال، يشير إلى أنّ الرئيس المكلّف سعد الحريري لم يتبلّغ رسميّاً وشخصيّاً حتى الآن بأيّ مبادرة في هذا السياق، مع الإشارة إلى أنّ لقاءً كان جمعه باللواء عباس ابرهيم قبل نحو أسبوعين وجرى فيه تداول المستجدات السياسية على نحو عاديّ؛ لكن لم تكن قد وُلدت حينذاك أيّ تفاصيل حول مبادرة لا تزال بالنسبة إلى موقف “بيت الوسط”، لا تحمل صفة رسميّة حتى الآن، بل يتمّ التعبير عنها في المجالس السياسية، فيما تجدر الإشارة إلى أنّ جدول أعمال الحريري لا يتضمّن حتى اللحظة أيّ لقاء مرتقب مع ابرهيم.
في الموازاة، ما يمكن تأكيده في سياق متّصل أن أجواء المبادرة وتفاصيلها وصلت إلى بعبدا. ويشار في الحديث عن مضمونها إلى أنّها تقوم على نقاط عدّة واضحة: أوّلها، تشكيل حكومة من 18 وزيرأً. وثانيها، حصول رئيس الجمهورية على 6 وزراء في التشكيلة الحكوميّة على طريقة (5+1)، أي مع إضافة الوزير الممثّل للطائفة الأرمنية إلى حصّة بعبدا. وثالثها، أن يتوافق كلّ من رئيس الجمهورية ورئيس الحكومة المكلّف على إسم وزير للداخلية يُدرج ضمن حصّة بعبدا (5+1). ورابعاً، أن تتوافق الرئاستان الأولى والثالثة أيضاً على إسم وزير للعدل يُدرج ضمن حصّة الرئيس المكلّف.
في غضون ذلك، تفيد معطيات “النهار” أنّ المشاورات حول الجانب المتعلّق بموضوع منح “التيار الوطني الحرّ” الثقة للحكومة من عدمه، لا يزال غير مبتوتٍ به وغير محسوم حتى الساعة، بما يعني أنّ قرار منح الثقة أو حجبها من قبل فريق العهد لا يزال سابقاً لأوانه ولم يبحث في تفاصيله حتى الآن. وتؤكّد المعطيات أنّه لا يمكن الحديث عن موافقة رسميّة لرئيس الجمهورية على المبادرة الحكوميّة بل عن طرح قابل للبحث، باعتبار أنّ الطرح العام للمبادرة لا يزال في بداياته، بل إنّ ما يمكن تأكيده بحسب المعلومات أن العهد ينتظر معرفة مقاربة الرئيس المكلّف لفحوى المبادرة باعتباره معنيّاً رئيسيّاً بها أيضاً بعد أن تُعرض عليه شخصيّاً لمعرفة رأيه بها أوّلاً.
ولا يغيب عن المشهد أنّ ثمّة ملاحظات مكوّنة حول الأسماء الوزارية التي تضمنّتها المسودة الأخيرة الكاملة المقدّمة في بعبدا، حيث عُلم أن بعض الأسماء التي اختارها الرئيس المكلّف لتكون من حصة رئيس الجمهورية (من لائحة الأسماء التي حصل عليها) ستكون محلّ إعادة نظر، باعتبار أن بعضها استُهلك أو ليس بالضروري أن يمثّل التوجّه النهائي لدى الرئاسة الأولى، لكن البحث في هذه الخطوة لا يزال بعيداً بانتظار التوافق المشترك على النقاط الأساسية بين الرئاستين أوّلاً.
هل يعني ذلك أنّ هذه التفاصيل وحدها تلخّص صورة ومسار الموضوع الحكومي؟ لا يخفى أنّ هناك قناعة مكوّنة لدى غالبية الأطراف المعنيّة بالتشكيل بأنّ العقد الداخلية – رغم دورها في المراوحة – إلا أنّها لا تشكّل الأسباب الجوهريّة وحدها لعدم ولادة الحكومة. ويلاحظ أنّ جميع الأطراف تلمّح في مجالسها إلى عقد خارجيّة عدّة لا تزال تحول دون اكتمال تفاصيل المشهد الحكوميّ.
ويحلّ في صدارة العقد الخارجية المعبّر عنها دور إيران، حيث لا يشير موقفها إلى أنها تريد إطلاق سراح الحكومة اللبنانية في الوقت الحالي، في ظلّ تعقيدات تحيط المشهد الاقليمي الذي لطالما شكّل الممرّ لتشكيل حكومة في لبنان، مع الإشارة إلى أنّ أيّ ولادة لطالما ارتبطت بتوافر عناصر النجاح المحلية والخارجية، وهي عوامل غير حاضرة حتى الآن.
ويروي المقرّبون من الرئيس المكلّف والمواكبون لنتائج جولته الخارجيّة لـ”النهار” معلومات تفيد أنّ اللقاء الذي جمعه بوزير الخارجية الروسي سيرغي لافروف والذي استعرض خلاله الملف الحكومي اللبناني والعراقيل التي لا تزال تحول دون الولادة، ساهم في تأكيد الجانب الروسي بشكل كليّ على ضرورة تشكيل حكومة وفق الطرح الذي يتبناه الحريري لجهة تشكيل حكومة تكنوقراط متخصّصة. وعُلم أن هناك زيارة مقرّرة سيقوم بها الحريري إلى روسيا من ضمن جولته الخارجية، لكن لم يعلن موعدها بعد. ويلفت المقرّبون إلى أن كلّ الأوساط الدوليّة التي اجتمع بها الحريري أكّدت على أنّ بداية تدفّق المساعدات إلى لبنان، مسألة مرتبطة بتشكيل حكومة متخصّصة للمباشرة تلقائيّاً في العمل على تنفيذ الإصلاحات، ما من شأنه التأكيد على تقاطع المقاربة الدوليّة مع الشروط التي يتمسّك بها الحريري في اختيار الوزراء والتصوّر الذي وضعه في عمليّة التأليف وخلافاً لأي طبيعة أسماء أخرى معدّة للتوزير؛ خصوصاً أنّ البيان الروسي المؤكِّد على أهمية الإسراع في اجتياز الأزمة الاجتماعية والاقتصادية من خلال تشكيل حكومة مهمّة قادرة من التكنوقراط، أتى بتوقيع وزارة الخارجية الروسية وليس على لسان مندوب أو متحدّث غير رسميّ.
في الخلاصة، لا يزال الرئيس المكلّف بانتظار أيّ اتصال من بعبدا يساهم في دعوته إلى بحث أيّ جديد في الملف الحكومي، في مقابل انتظار الرئاسة الأولى أيّ جديدٍ ينبثق أولاً من “بيت الوسط”. وعلى طريقة من يخطو الخطوة أوّلاً، تبقى الكرة الحكومية ضائعة في أجواء التباينات المتقابلة.