كلّ سبت هو يوم الحشود في بكركي حتى نهاية الأزمة؟

أحمد عياش – النهار

خلف دخان الحرائق التي تعمّ لبنان بسبب الانهيار النقدي تطلّ حقيقة واحدة: لا حل سيأتي من العهد الحالي. لكن أخطر ما يلجأ إليه حالياً العهد وحُماته هو محاصرة أي حل يتجاوزه. فهل يعني ذلك أن باب الخروج من الانهيار لن يأتي طالما أن ولاية الرئيس ميشال عون مستمرة؟




في معلومات لـ”النهار” من أوساط سياسية أن هناك مواجهة سياسية تدور بين الصرح البطريركي وبين قصر بعبدا على خلفية التناقض في التوجهات لكل منهما. ففي حين أن الرئيس عون يضع الوراثة السياسية له أولوية، يقف البطريرك #الراعي على طرف نقيض له. فكل مواقف وتحركات البطريرك الماروني تنطلق من أولوية الحل الحكومي. وخلاصة هذا التناقض برأي هذه الاوساط أن الموقعَين المارونيَّين البارزَين لن يلتقيا. فهل ستقف الأمور عند هذا الحد؟

لم يمض وقت طويل على ما وصفته “النهار” في عددها الصادر بداية الاسبوع الماضي بـ”يوم الدعم الشعبي ل#بكركي”. وبدت الصورة المرافقة التي ضمت آلاف المواطنين الذي احتشدوا السبت في 27 شباط الماضي في باحة الصرح منطوية على كثير من الدلالات. ومع أنه بعد مضيّ أقل من أسبوعيّن على هذا الحدث، بدا أنّ هناك الكثير من المحاولات جرت ولا تزال تجري لتطويقه. وهنا تقترح الاوساط السياسية المشار إليها إلى ما يبقي هذا الحدث في سياق متصاعد. وهذا الاقتراح يدعو إلى جعل كل يوم سبت ومن الآن وحتى نهاية الأزمة الحكومية يوماً لدعم بكركي وتوجهاتها الإنقاذية. فهل هذا الاقتراح ممكن؟

تجيب هذه الاوساط قائلة: منذ 17 تشرين الاول عام 2019 تاريخ بداية مسار حركة الاحتجاج الشعبي على التدهور النقدي والمعيشي، بدا أن هناك حاضنة له. هذه الحاضنة هي الطبقة الوسطى المسيحية التي هالها ما آلت إليه الأمور اقتصادياً. وأوضحت أن وصف هذه الطبقة بـ”المسيحية” لا يعني أنها محصورة بالمسيحيين فقط. فهي عابرة للطوائف انطلاقاً من مواصفات هذه الطبقة نفسها. لكن ما ميّز مسيحيي هذه الطبقة، تقول هذه الاوساط، أنهم لم يخضعوا لسطوة قوى الامر الواقع في سائر الطوائف. ففي حال الشيعة هناك الثنائي، ومثل هذه الطائفة هناك غياب للحراك في الواقع السنّي والدرزي على رغم محاولات قوى المجتمع المدني في هذا الواقع سدّ النقص. ودعت هذه الاوساط إلى التأمل في سلوك المرجعية الدينية المسيحية التي تمثلها بكركي منذ 17 تشرين الاول 2019 ومقارنتها بسائر المرجعيات الدينية. ولا يحتاج المرء إلى القول إن هذه المقارنة تؤكد أن حيوية الطبقة الوسطى عند المسيحيين، مفقودة عند سائر الطوائف.

وفي رأي هذه الأوساط، أن الحملات التي تعرضت لها بكركي منذ ذلك التاريخ وحتى الآن هو نتيجة إدراك أصحاب هذه الحملات، أن البطريرك صار مركز الثقل في مواجهة مخططات توظيف الأزمة. وكثرت التكهنات حول مصدر قوة هذه المرجعية الدينية، حتى جاء التحرك الشعبي في 27 شباط الماضي ليقدّم جواباً ملموساً. ثم أتى كلام البابا فرنسيس بعد زيارته الأخيرة للعراق ليضع النقاط على الحروف: “طلب مني البطريرك الماروني في هذه الرحلة أن أتوقف في بيروت، لكن الأمر بدا لي صغيراً أمام ما يعانيه هذا البلد، فكتبت له رسالة ووعدتُ أن أزور لبنان. لبنان اليوم في أزمة وهنا لا أريد أن أنتقص من أحد، هي أزمة وجود، وهذه ستكون الدافع إلى رحلتي التالية”.

في 27 شباط الماضي خاطب البطريرك الحشود قائلاً: “لا تسكتوا”. وكرر هذه الدعوة 17 مرة. ونقلت “النهار” في حينه عن مصادر قريبة من بكركي أن “ما بعد 27 شباط ليس كما قبله، والبطريرك سائر إلى النهاية في طرحه ومبادرته على الرغم من الضغوط على أمل أن يوصل هذا الحراك إلى خواتيم مرضية للخروج من الأزمات الخانقة التي تعصف بلبنان”. فهل لدى هذه المرجعية المارونية القدرة على الوفاء بهذا التعهد؟

قبل الذهاب إلى الجواب، يقول الرئيس فؤاد السنيورة في حديث متلفز: “هناك طرفان أساسيان يضعان العراقيل في وجه تأليف هذه الحكومة. الطرف الأول، هو رئيس الجمهورية الذي جل همه الآن هو كيف يمكن أن يضمن تحول السلطة بعد انتهاء عهده، وكأننا نحن نعيش في نظام يقبل التوريث”.

أضاف الرئيس السنيورة: “الطرف الثاني الذي يضع العراقيل هو حزب الله، ويتلطى وراء رئيس الجمهورية من أجل أن يبقى لبنان ورقة بتصرف الجمهورية الإسلامية الإيرانية”.

من توصيف الأزمة كما يقول الرئيس السنيورة، إلى اجتراح الحلول كما تفعل بكركي. ويقف البطريرك في آخر موقف له عند الغضب الشعبي الراهن قائلاً: “نأسف أن تحصل كل هذه الأمور اليوم والشعب غاضب والشباب غاضبون. نحن معهم، ولكن لا يجب أن يُعاقب الناس على الطرقات، فهم ليسوا من أوجد المشاكل في لبنان وهم ليسوا من عرقل تشكيل الحكومة وتقاعس عن حلّ الأزمات المالية والحكومية، بل هم يدفعون الثمن مرتين، ثمن حاجاتهم وثمناً يدفعونه على الطرقات. مرة جديدة أؤكد أنه علينا احترام الناس والمحافظة عليهم كي لا يكفروا بالوطن، فنحن جميعنا نريد هذا الوطن”.

خلف دخان الغضب، هناك خشية من أن تتسلل مجموعات كما فعلت أمثالها في نهاية الثمانينات من القرن الماضي، لمحاصرة سيد بكركي البطريرك الراحل صفير. ولن يكون هناك من حل، كما يرى الأوساط السياسية، سوى أن يكون سبت 27 شباط الماضي نموذجاً في كل سبت آت حتى تنتهي الأزمة.