لا سعر حقيقياً لـ “الليرة” وإذا وُجد فهو… “خيالي”

خالد أبو شقرا – نداء الوطن

ما هي القيمة الفعلية لليرة اللبنانية؟ وما هو سعر صرفها الحقيقي مقابل الدولار؟ وإذا لم يكن هناك سعر فعلي هل بالامكان ضبط السعر الذي يتم التداول به بناء على الظروف والمعطيات الآنية؟




تتعدد أسعار صرف الليرة مقابل الدولار الواحد. فهناك سعر معاملات مصرف لبنان المحدد بـ 1515 ليرة. وسعر المنصة المحدد أيضاً، بـ 3900 ليرة. وسعر صرف القروض الدولية المحدد بـ 3900*1.6، أي 6240 ليرة. وهناك سعر السوق الموازية الذي تم التداول به أمس على 10500 ليرة.

قيمة الليرة الحقيقية!

يتفق الجميع على عدم وجود سعر حقيقي لليرة. ذلك ان قياسه يعتمد على أكثر من فرضية، ومنها:

الفرضية الأولى: ترتكز على المادة 229 من قانون النقد والتسليف تاريخ 1963. وهي تنص على ان “يعتمد لليرة اللبنانية، بالنسبة للدولار الاميركي المحدد بـ 0,888681 غرام ذهب خالص سعر قطع حقيقي أقرب ما يكون من سعر السوق الحرة، يكون هو “السعر الانتقالي القانوني” لليرة اللبنانية”. ما يعني انه مقابل كل ليرة تُطبع، يجب أن يكون هناك 0.8 غرام من الذهب أو ما يعادل 43 دولاراً أميركياً بأسعار اليوم. تطبيق هذه المعادلة يعني أنه لا يوجد أي قيمة فعلية اليوم لليرة مقابل الدولار، وهي أكثر بأشواط من سعر السوق الموازي.

الفرضية الثانية: تقوم على تحرير سعر صرف الليرة كلياً، ومراقبة العرض والطلب عليها لتحديد قيمتها. ولكن تطبيق هذه النظرية في بلد اقتصاده مدولر بأكثر من 80 في المئة، ويعتمد على الإستيراد من الخارج بنسبة 90 في المئة ويعاني من عجز هائل في ميزان المدفوعات، وصل في العام الماضي إلى 10.5 مليارات دولار. فان الليرة سترتفع إلى معدلات خيالية. فاليوم، وفي ظل سياسة الدعم التي تغطي أكثر من 90 في المئة من الاحتياجات الضرورية للأسر والأفراد، فان السعر وصل إلى 10500 ليرة. فكيف الحال مع رفع الدعم؟ عندها قد تصبح توقعات “بنك أوف أميركا” بوصول الليرة إلى 46500 ليرة أو حتى أكثر بكثير، صحيحة.

الفرضية الثالثة: تقوم على قسمة مجمل الكتلة النقدية M4، والتي تقدر بحسب مصرف لبنان بـ 210 ترليون ليرة على احتياطي العملات الاجنبية (ذهب ودولار)، والمقدرة بـ 30 مليار دولار. فتكون النتيجة أن هناك 1 دولار مقابل كل 7000 ليرة. وعليه يكون سعر الصرف الأقرب إلى الواقع هو 7000 ليرة. لكن عيب هذه النظرية انها تأخذ الذهب في الحسبان، وتفترض سهولة استعماله، وان المتبقي من دولار بنحو 16.6 ملياراً هو احتياطي وطني، فيما هو من حقوق المودعين حصراً. كما إن هذه النظرية تتطلب تحقيق الاقتصاد فائضاً سنوياً في ميزان المدفوعات بقيمة 4 مليارات دولار من أجل المحافظة على هذا السعر. وهذا ما يبدو اليوم صعب المنال. خصوصاً في ظل تراجع التدفقات النقدية إلى لبنان بمعدلات كبيرة سواء كان من الاستثمارات المباشرة أو التحويلات أو السياحة أو حتى التصدير.

فشل المنطق “البوليسي”

إذا كان تحديد قيمة لليرة حالياً يعتبر أمراً مستحيلاً، فان ضبط سوق التداول بها هو أمر سهل ومقدور عليه. و”من غير المفهوم لماذا تختار السلطة اللجوء دائماً إلى الحلول الأمنية والقضائية للسيطرة على سعر الصرف، فيما الحل النقدي موجود”، يقول رئيس مجلس إدارة FFA Private Bank جان رياشي. و”يمكن تلخيصه بتفعيل منصة “صيرفة” للتداول بالدولار الحقيقي بين الصيارفة والبنوك. مع حفظ هامش العمولة لهم، بدلاً من تحقيق الارباح غير المنطقية”.

وبحسب رياشي فان “محاولة السيطرة على سعر الصرف من خلال إقفال المنصات يعتبر أمراً مستحيلاً. وهو يعيدنا بالذاكرة إلى دول الإتحاد السوفياتي وكوريا الشمالية، التي فشلت في تثبيت سعر الصرف بالمنطق البوليسي. وعليه فان الإجتماع المالي في بعبدا الذي خلص إلى اعتبار سوق القطع الموازي هو سوق سوداء، وان التطبيقات الالكترونية هي التي تفتح الباب على المضاربة واللعب بسعر صرف الدولار… أصاب في نقطة، وأخطأ في كل شيء. وبحسب رياشي انه “كان للتطبيقات البعيدة كل البعد عن عمل المنصات، دور في تغيير سعر الصرف بناء على أهواء مطلقيها صعوداً ونزولاً، فان الحل لا يكون بملاحقتها واقفالها. بل باطلاق منصة محترفة معتمدة رسمياً، تصبح المرجع في تحديد سعر الصرف، تلغي التطبيقات تلقائياً، وتحل مكانها”.

سوق موازية وليست سوداء

المشكلة ان طريقة التعامل مع سوق القطع لم تتغير طوال أكثر من سنة و4 أشهر على اندلاع الأزمة. فسوق الصرف الموازي ما زال يسمى بـ”السوق السودا” من أرفع المنابر الرسمية. مع العلم ان “هذه التسمية تجافي المنطق”، بحسب رياشي. “فهو السوق الوحيد الذي يفسح المجال لحاملي الدولار ببيعه، وللطالبين بشرائه. ولولاه، لما كان هناك تداول للدولار في الأسواق بسعر معقول، سواء كان مصدره من الأفراد أو الشركات”. أكثر من ذلك، فان نزع صفة الشرعية عن سوق التداول يعني ان التداول بالعملات غير شرعي. لأنه “من المستحيل التداول بالعملة في المصارف وبين الصرافين على أساس سعر المنصة المحدد بـ 3900 ليرة”، برأي رياشي. “هذا من دون التطرق إلى قرار وزارة المالية بتشريع احتساب الضرائب على أساس سعر الصرف الموازي”.

الحل المنطقي لوقف المضاربة

عدا عن أن الآلية التي تنوي السلطة اتباعها في مكافحة المضاربة تساهم في خلق أكثر من سعر في السوق الموازي، فهي تفسح المجال أمام استمرار خلق أسعار لا تستند الى أي منطق. وهو ما يربك المنظمات الدولية والمانحين، وحتى الدول التي ترسل المساعدات. فهم دائماً يسألون عن السعر الحقيقي الذي من الممكن اعتماده في صرف هذه المساعدات. وبالتالي فان “كانت هناك طريقة يمكن اعتمادها حالياً لمنع التفلت قدر المستطاع، فهي من خلال “تفعيل منصة “صيرفة” لدى مصرف لبنان واعتمادها لحصر المعاملات الحرة بين المؤسسات المصرفية والصيارفة وتحرير السعر. وذلك عوضاً عن استعمالها لبث سعر صرف وهمي ثابت محدد بـ 3900 ليرة لا يشهد أي تداول عليه”، يقول رياشي. “كما ان سعر الصرف على هذه المنصة يتحدد بناء على التداول، وليس بوضع ارقام “مفبركة” كالتي توضع على التطبيقات. وهي تضمن الشفافية وتفتح المنافسة بين الوسطاء على نسبة العمولة، وتكون مرجعاً للداخل والخارج في تحديد سعر منطقي للدولار. عندئذ يصبح باستطاعة السلطات منع التداول خارج هذه المنصة وملاحقة الشركات والأفراد الذين يتداولون الدولار من خارجها”.

صحيح ان هذه الآلية لا تقدم أو تؤخر بمستقبل سعر الصرف، إلا انها تبقى الضمانة الوحيدة للحد من المضاربة والتداول بأسعار واقعية وبناء على المعطيات الآنية.