“لبنان مهدد بالظلام الدامس”.. فهل تدفع المظاهرات السياسيين للاتفاق أم تقع البلاد في فوضى؟

إذا كان القول إن لبنان على شفا الانهيار لم يعِد يثير الدهشة، فإن المثير للدهشة حقاً، هو موقف السياسيين اللبنانيين الذين يبدو أنهم يواصلون مساوماتهم التقليدية بنفس الطرق القديمة، بينما توشك البلاد على الدخول في إظلام  كامل بالمعنى الحرفي.

ففي الوقت الذي شهدت فيه البلاد مظاهرات ضخمة وصلت إلى قطع طرق احتجاجاً على الوضع الاقتصادي المأساوي، أعلن وزير الطاقة اللبناني ريمون غجر، أن القادم أسوأ.




فقد ذكر أن بلاده تملك الأموال الكافية لاستيراد وقود الكهرباء حتى آخر مارس/آذار الحالي، قال ونعتمد في ذلك على سلفة من الخزانة، مضيفاً: “قد نصل إلى الانقطاع التام للكهرباء من بعد نهاية هذا الشهر”.

وتابع: “العراق سيمد لبنان بـ500 ألف طن من الفيول الأسود، وحاجة لبنان هي مليون طن، وما سنقوم به هو استبدال هذا النفط ونضع بالمقابل في مصرف لبنان قيمة هذا النفط على أن تصرف هذه الدولارات داخل لبنان حصراً، ونحن بانتظار توقيع الاتفاق من قبل الحكومة العراقية”.

واستمر انهيار قيمة الليرة اللبنانية مقابل الدولار الأمريكي، لتصل إلى نحو سدس قيمتها قبل الأزمة (الدولار بلغ أكثر من 10 آلاف ليرة في السوق السوداء) ما أدى إلى تسجيل زيادات قياسية في أسعار السلع كافة في لبنان، الذي يعتمد بشكل أساسى على الاستيراد.

الجيش ينتقد السياسيين

وكان لافتاً موقف قائد الجيش اللبناني العماد  جوزيف عون من الأزمة.

فبعدما طلب الرئيس ميشال عون من الجيش تطبيق القانون ومنع إغلاق الطرق، عقد قائد الجيش اللبناني العماد جوزيف عون اجتماعاً منفصلاً مع القادة العسكريين، شدد فيه على الحق في التظاهر السلمى.

وفي تصريح نادر من نوعه، انتقد قائد الجيش، السياسيين “الطائفيين” في لبنان لتعاملهم مع الأزمة، محذراً من عدم استقرار الوضع الأمني. وأوضح أن الضباط العسكريين جزء من المجتمع اللبناني الذي يعاني من صعوبات اقتصادية، وقال: “العسكريون يعانون ويجوعون مثل الشعب”، وحذر من تورط الجيش في مشاحنات سياسية.

وتابع: “إذا كان البعض يهدف لضرب الجيش، هم يعرفون أن تفكيك الجيش يعني نهاية الكيان اللبناني، هذا الشيء مستحيل أن يحدث، الجيش متماسك وتجربة عام 1975 لا ولن تتكرر”.

ونجح الجيش اللبناني بالتعاون مع قوى الأمن الداخلي “الشرطة” في فتح بعض الطرق الرئيسية في بيروت، وأهمها “أوتوستراد جل الديب” الذي يربط بيروت بمحافظة جبل لبنان.

اتهامات لتيار المستقبل

واتهم مسؤولون في السلطة أحزاباً منافسة لهم بالوقوف خلف الاحتجاجات.

وكان الرئيس اللبناني ميشال عون عقد اجتماعاً أمنياً، أمس الإثنين، وبمشاركة رئيس حكومة تصريف الأعمال حسان دياب وعدد من الوزراء وقائد الجيش ورؤساء الأجهزة الأمنية، وجرى خلاله الاتفاق على قرارات لمواجهة المضاربة على العملة الوطنية، وتكليف القوى الأمنية والعسكرية بعدم السماح بإغلاق الطرق والشوارع العامة، معتبرين أن هذا الأمر يخرج عن إطار الاحتجاج المشروع، ويمثل عملاً تخريبياً منظماً يستهدف ضرب الاستقرار.

كما اتهم تكتل “​لبنان​ القوي” الذي يترأسه الوزير السابق جبران باسيل صهر رئيس الجمهورية، تيار المستقبل الذي يتزعمه سعد الحريري (دون أن يسميه) بالمسؤولية عن المظاهرات.

وقال: “إن الممارسات والشعارات تدلّ على ما يشبه الحال الانقلابيّة على رئيس الجمهوريّة ​ميشال عون​، ووصف المظاهرات بأنّها انقلاب مدروس لضرب مشروع الرئيس عون الإصلاحي”، وقال: “أي تفكير من جانب أيّ كان بإسقاط رئيس الجمهوريّة، هو وَهمٌ ننصح بالإقلاع عنه”.

واعتبر التكتّل أنّ ما وصفه بـ”سلوك رئيس الحكومة المكلّف ​سعد الحريري​ وأدائه الاستخفافي بمصالح الناس وبما هو حاصلٌ في البلاد، أمرٌ غير مقبول”، ودعاه إلى “احترام ​الدستور​ والعودة إلى لبنان لتشكيل حكومة إنقاذيّة على قواعد الشراكة”.

واتهمه بالتواطؤ مع جهات خارجية، مخاطباً إياه بالقول: “الحل موجود في لبنان وليس في عواصم العالم مهما بلغت أهميتها، ولن ينفعه أن يربح العالم ويخسر وطنه ونفسه”.

أسباب تعثر تشكيل الحكومة

رغم وصول البلاد لهذا المنحدر، ما زال السياسيون اللبنانيون  لا يستطيعون حتى الاتفاق على تشكيل حكومة منذ استقالة حكومة حسان دياب قبل أكثر من 6 أشهر، لتستطيع التفاوض مع المجتمع الدولي للحصول على معونة لإنقاذ ما يمكن إنقاذه، رغم تكليف زعيم تيار المستقبل سعد الحريري بتشكيل حكومة جديدة قبل أربعة أشهر.

وفشلت مبادرة الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون في الدفع بتشكيل حكومة برئاسة سعد الحريري، تكون أقل خضوعاً لسيطرة الأحزاب الطائفية.

وبدا واضحاً أن سبب الفشل هو أن كثيراً من الأحزاب اللبنانية الكبرى حريصة على عدم التنازل عن أي من مكتسباتها التقليدية رغم كل الكوارث التي مرت بها البلاد.

فتعرقل تشكيل الحكومة لأسباب عدة منها رفض الرئيس ميشال عون تسمية الحريري للوزراء  المسيحيين ورفض حزب الله وأمل تسمية الحريري للوزراء الشيعة.

وأشارت تقارير إلى أن الرئيس اللبناني يصر على تشكيل حكومة مؤلفة من عشرين وزيراً كحد أدنى، وأنه يطالب بإشراكه في تسمية الوزراء، في حين يصر الحريري على تشكيل حكومة من 18 وزيراً، من الاختصاصيين غير المنتمين لأحزاب سياسية، ويتهم الحريري رئيس الجمهورية ميشال عون وصهره جبران باسيل رئيس “التيار الوطني الحر”، بأنهما يريدان الثلث المعطّل في الحكومة (الثلث + واحد)، حسبما ورد في تقرير لموقع “بي بي سي“.

من جهته يقول التيار الوطني الحر، إن رئيس الوزراء المكلف سعد الحريري، ربما لا يريد تشكيل الحكومة، أو لا يستطيع تشكيلها، ونقلت محطة LBC التليفزيونية اللبنانية، عن مصادر بقصر بعبدا الرئاسي، قولها إن الحريري ذهب بعيداً باشتراطه، الحصول على ثقة نواب “تكتل لبنان القوي”، ليعطي الرئيس خمسة وزراء مسيحيين، وألا يحصر تمثيله بثلاثة وزراء فقط في الحكومة.

ويُعتقد أيضاً أن حزب الله لم يرِد تشكيل حكومة منذ تكليف الحريري في ظل وجود الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، انتظاراً لمجيء بايدن للبيت لافتراضه أن ذلك سيحسن أوراقه في الملف اللبناني وأوراق إيران التفاوضية في المنطقة برمتها.

كما قد يكون الحزب يفضل أن يربط تشكيل الحكومة اللبنانية، بالتفاوض المنتظر بين إيران والأمريكيين على الملف النووي وبقية قضايا المنطقة.

دفعت هذه الأوضاع المزرية البطريرك الماروني بشارة الراعي إلى إطلاق مبادرة تدعو إلى حياد لبنان وعقد مؤتمر دولي بشأن لبنان، وأغضبت هذه المبادرة حزب الله، وأحرجت “التيار الوطني الحر” الحليف المسيحي الأكبر للحزب.

فهذا الطرح الذي لاقى دعماً وردود فعل إيجابية واسعة، لا يتناسب مع خطاب التيار الوطني الحر حليف “حزب الله” الذي يرفض حياد لبنان ويصر على ضمه ضمن المحور الإيراني.

هل تؤدي التظاهرات إلى تحريك الجمود السياسي؟

قد تكون هذه المظاهرات دافعاً للسياسيين للتحرك نحو تشكيل الحكومة، وأغلب القوى السياسية بصرف النظر عن انتقادات قوى 8 آذار بقيادة حزب الله وتيار عون، فإنها لا تريد بديلاً عن الحريري لرئاسة الحكومة باعتباره الأقوى في الوسط السني والمقبول عربياً ودولياً.

وفي هذا الإطار أفادت مصادر قناة “المنار” التابعة لحزب الله، أن “جميع القوى السياسية في ​لبنان​ تنتظر عودة رئيس ​الحكومة​ المكلف ​سعد الحريري​ إلى لبنان”، موضحة أن “العامل السلبي السياسي الحالي هو غياب الحريري عن الساحة الداخلية اللبنانية”، حسب وصفها، (وكأنها تريد تحميل الحريري مسؤولية الأزمة).

ولفتت إلى أن “الجانب الفرنسي ينتظر الحريري للحصول على عدد من الإجابات، وأيضاً رئيس ​مجلس النواب​ ​نبيه بري​ ورئيس ​الحزب التقدمي الاشتراكي​ ​وليد جنبلاط​ ينتظران الحريري من أجل الدفع بعملية ​تشكيل الحكومة​ نحو الأمام”.

وقالت إن “مدير عام ​الأمن العام اللبناني​ ​اللواء عباس إبراهيم​ (مقرب لحزب الله وحركة أمل) زار ​مقر البطريركية المارونية من أجل استكمال التواصل والتنسيق في الملف الحكومي والمستجدات على صعيد الشارع”.


عربي بوست