عقل العويط - النهار

رسالة إلى فخامة رئيس البلاد بلسان الناس: “تفاهم مار مخايل” وعهدكَ جعلا الفخامة والرئاسة والبلاد في يد “الوليّ الفقيه” – عقل العويط – النهار

باحترامٍ شديد، أكتبُ إليكَ يا فخامة الرئيس، بلسان الناس، ومن تحت (لن أقول من جهنّم!)، من أرض لبنان المعذّبة، حيث يقيم الموتى والقتلى قسرًا، والمدمَّرون والموجوعون والحزانى واليائسون والفقراء والجياع والمرضى والتائهون والمشرّدون والثكالى والأيتام والأرامل والأوادم والغاضبون والثوّار والأحرار والحالمون والتائقون والعقلاء والحكماء والمتبصّرون؛ من هناك، من حيث لم يعد ثمّة مكانٌ يليق بالحياة، ولا بأهل الحياة.

باحترامٍ شديد، أكتبُ إليكَ من “دولة لبنان الكبير” الذي لم يعد، بعد مئة عامٍ على ولادته، لبنانًا (لبنانَ) ولا دولةً ولا كبيرًا. هذه الحال ليست جديدةً بالطبع، لكنّها بلغتْ في عهدكَ، يا صاحب الفخامة، شأوًا غير مسبوقٍ وغير قابلٍ للاحتمال.




باحترامٍ شديد، أكتبُ إليكَ من تحت، من “على الأرض”، من حيث ينبغي للمشهد المأسويّ أنْ يكون أكثر وضوحًا وصراحةً، ولصرخة الكرامة الإنسانيّة والوطنيّة الثائرة أنْ تكون بيضاء بيضاء بيضاء، وخلوًا من الرشوة والارتشاء والإرهاب والداعشيّة والظلاميّة والتبعيّة والالتحاق والاستلحاق والاستكبار (طبعًا) والعمالة والخيانة (طبعًا) وإلى آخره طبعًا، ومن حيث ينبغي للرغيف الذليل أنْ تصلَ أخبار ذلّه – إلى حيث تقيم فخامتكَ – بدون زغلٍ أو تحريفٍ أو تعديلٍ أو تزوير.

باحترامٍ شديد، أكتب إليكَ لأُعلِمكَ بما لا بدّ من أنْ تكونَ على بيّنةٍ منه، إمّا بالعين المجرّدة وإمّا من طريق الخلّص والأوفياء والأوادم وأهل الرأي والعقل المحيطين بكّ (هل بقيَ الكثير من هؤلاء؟!)، بأنّ “العهد القويّ” لم يعد عهدًا ولا قويًّا (أو لم يسمحوا له – مَن؟! – بأنْ يكون عهدًا وقويًّا)، وبأنّ “الرئيس القويّ” لم يعد لا رئيسًا ولا قويًّا (أو لم يسمحوا له – مَن؟! – بأنْ يكون رئيسًا حقًّا وقويًّا حقًّا).

باحترامٍ شديد، أكتبُ إليكَ لأُعلِمكَ بأنّ “اتّفاق مار مخايل” (أو تفاهم) جعل لبنان – الذي يفترض نظريًّا ودستوريًّا أنْ يكون حرًّا سيّدًا مستقلًّا (إلى حدٍّ ما) – جعل لبنان بلادًا ليست حرّةً ولا سيّدةً ولا بالطبع مستقلّة. وثمّة مَن يضيف: بل سائبةً ومنتهكةً ومغتصبةً ومحتلّة. وأكثر من أيّ عهدٍ، ووقتٍ مضى. ذلك أنّ هذا “التفاهم” حوّل لبنان – برضاكَ – رهينةً (شرعيّةً) لدى “ولاية الفقيه” ويدها الأمنيّة والسياسيّة في لبنان.

باحترامٍ شديد، أكتب إليكَ لأُعلِمكَ بأنّ الأطراف والأحزاب والقادة والزعماء الذين “مشوا” معكَ وضدّكَ (إيمانًا وحبًّا أو تلفيقًا أو كرهًا أو خبثًا ومكرًا أو مصلحةً ومحاصصةً أو… تقيّةً وانتهازًا)، هؤلاء جميعهم كان يجمعهم (وبات يجمعهم أكثر)، النفاق والفساد والشرّ، وهؤلاء جميعهم كانوا (وباتوا أكثر) يتحمّلون معكَ – وأحيانًا قبلكَ وأكثر منكَ – ما آل إليه لبنان، وأهل لبنان.

باحترامٍ شديد، لن أنسى أنْ أقول لكَ إنّ أطراف الطبقة السياسيّة اللبنانيّة، يتقاسمون ماضيًا وحاضرًا – مع عهدكَ – المسؤوليّة التاريخيّة عمّا آلت إليه “دولة لبنان الكبير”. وهؤلاء لا ينفع، في أيّ حالٍ، أنْ يتمّ “تعويمهم”، ولا أنْ تتألّف منهم (أو من بعضهم) حكومةٌ اختصاصيّةٌ مستقلّة، ولا أنْ تُبنى مع بعضهم معارضةٌ حرّة سيّدة مستقلّة ونظيفة، كالمعارضة التي يبتغيها الأوادم والثوّار والأحرار.

باحترامٍ شديد، أكتب إليكَ لأُعلِمكَ بأنّ المسيحيّين مُنُوا في عهدكَ – أكثر وأكثر – بيأسٍ عظيم، وما عادوا حقًّا يعيشون مواطَنَتهم وكرامتهم الإنسانيّة، وبأنّ حقوقهم التي تطالب (وتيّاركَ وحزبكَ) لهم بها ليست هي الحقوق. وثمّة مَن لا يكاد يخشى أن يقول بالصوت العالي إنّ الحقوق (الوطنيّة والدولتيّة) كلّها، وعن بكرة أبيها، قد طارت، وإنّ المسيحيّين سيطيرون معها، إنْ لم يكونوا قد طاروا فعلًا لا قولًا.

باحترامٍ شديد، أكتب إليكَ لأُعلِمكَ بأنّ الدولة – بما هي دولةُ مؤسساتٍ ودولةُ إنسانٍ وحقٍّ وقانونٍ وقضاءٍ وعدلٍ وحرّيّةٍ وديموقراطيّةٍ ومساواة – طارت حقًّا ونهائيًّا، لكنْ بقيت لنا الدويلة (الدويلات!) التي صارت – أو قد تصير قريبًا – هي الدولة (رسميًّا؟!).

أمّا بعد، فباحترامٍ شديدٍ، أكتب إليكَ لأُعلِمكَ بأنّ أشياء كثيرة قد بقيت لنا بالتأكيد. ممّا بقي مبدئيًّا ونظريًّا: بقيَ لنا من عهدكَ نحوٌ من عشرين شهرًا (ناقصةً ثمانية أيّام)، باعتبار أنّ ولايتكَ الرئاسيّة يُفترض أنْ تنتهي في 31 تشرين الأوّل 2022 (انتُخبتَ في 31 تشرين الأوّل 2016). هذا إذا سُمِحَ لها بأنْ تبقى حتّى ذلك الحين، أو – لِمَ لا؟! – بأنْ تنتهي في ذلك الحين.

باحترامٍ شديد، أسألكَ: هل تتخيّل، يا صاحب الفخامة، أيَّ أيّامٍ تنتظر هؤلاء الذين يقيمون – تحت – في ما بقي من “عهدكَ القويّ”؟ وأيّ مشاريعَ وأفراحٍ وآمالٍ وأحلامٍ سيحقّقون؟! أو أيّ مظالم سيعانون؟ أو أيّ جوعٍ وفقرٍ ومرضٍ وخوفٍ وقلقٍ ويأسٍ (ومصائر فوضى ورعبٍ وانتحارٍ وموتٍ وعنفٍ وقتلٍ؟!) سيواجهون؟

باحترامٍ شديد، أكتب إليكَ، وأنا شديد التوجّس والريبة والتشاؤم من احتمال أنْ لا تصل إليكَ هذه الرسالة لأسبابٍ شتّى يعرفها القاصي والداني. وإذا وصلتْ – ويجب أنْ تصل – (وهذا حقّكَ الشخصيّ والدستوريّ والرئاسيّ)، فسأكون شديد الامتنان لكَ أنْ تعرف – منّي لا من غيري – أنّ الناس – الكثير الكثير الكثير من الناس – ما عادوا ينادونكَ لا بـ”صاحب الفخامة” ولا بـ”الرئيس القويّ”، ولا عادوا يعتبرون عهدكَ “العهد القويّ”.

باحترامٍ شديد، اسمحْ لي، بأنْ أصارحكَ، بأنّ بلادنا في عهدكَ لم تعد تشبه بلادنا، وبأنّ الناس، الكثير الكثير الكثير من الناس – فضلًا عن معاناتهم مع الفقر والجوع والمرض والوجع والحزن والأسى والمرارة والذلّ واليأس والظلم والقهر والخراب والدمار والموت والقتل – باتوا يقولون: نخشى أنْ نكون قد خسرنا الرئيس والفخامة. ويقولون: أخشى ما نخشاه أنّنا قد نكون خسرنا البلاد!
باحترامٍ شديد.