بدّي حليب لإبني… – ميشيل تويني – النهار

قلبي يعتصر وأنا أعنون مقالي… لم اتخيل يوما ان يصبح الحليب مطلب اللبناني.

جلس رجل على الارض حاملا ابنه الصغير وقطع الطريق قائلا: كل ما أريده هو حليب لابني. هذه الصورة تكفي لاستقالة اكبر الرؤوس في بلد آخر يحترم شعبه. هذه الصورة كافية لقيام ثورة لا مثيل لها. هذه الصورة كافية لقلب نظام بكامله.




كان الناس يريدون تغيير الطبقة السياسية والحرية والسيادة، لكن #الجوع الكافر جعل كل ما يريده المواطن اليوم هو الحليب والخبز. وقد اوصلتهم الى هذه الحال لمافيا السياسية الطائفية الحاكمة. اللبناني كان حلمه ان يعلم ابنه في افضل #المدارس، فأصبح اليوم من دون مدرسة. الوف التلامذة نقلوا من المدارس الخاصة الى المدارس الرسمية التي لا تتمتع بالمستوى المطلوب، وجزء آخر بات من دون مدرسة كليا، ومعظم من هم في المنازل من جراء الوباء لا يمتلكون الادوات اللازمة للتعليم عن بُعد.

والاسوأ من كل ذلك مشهد اللبنانيين يتناتشون #السلع المدعومة في المتاجر. اصبح اللبناني يقاتل من اجل كيس سكر وكيس طحين مدعوم، ومَن ليس لديه حليب لأولاده يذوّب الارز في الماء بدلاً منه، وهذا يؤدي إلى نقص في غذاء الأطفال.

في مقابل هذه الكارثة المعيشية والإنسانية، نجد غيابا تاما للسلطة الحاكمة، كل ما يهمها حماية السرايا ومجلس النواب من غضب الشعب لكي يتمكن الوزراء والنواب من اكمال مسيرتهم “اللامعة” و”الناجحة” كأن شيئا لم يكن.

اللبناني كانت لديه احلام كثيرة صارت كلها مستحيلة بعدما حجزت المصارف امواله ولم تعد تسمح للاهالي بتحويل الدولار الى ابنائهم الطلاب في الخارج. ولا يزال المسؤولون يفرّطون بما تبقى من اموالنا من اجل السلع المدعومة والكهرباء والوقود. الدولار بأكثر من 10 آلاف ليرة، ومع كل هذا الانهيار المأسوي، ما زالت الطبقة السياسية الفاسدة التي لا تمتلك ذرة ضمير او كرامة تماطل في تأليف الحكومة، علما بان التأليف الكلاسيكي لن يكون الحل، بل تأليف بطريقة مختلفة ومع اشخاص كفوئين وخبراء، والاهم ان تكون حكومة حيادية تتمكن من الانفتاح على الخارج.

في ظل هذا السطو على العمل الديموقراطي يبقى سؤال بل اسئلة: الا يجب على كل شخص يعتبر ان القرار مسلوب ان يندفع الى العصيان والمقاطعة والاستقالة؟ كيف يمكن لاي مسؤول يملك ضميرا ان يرى شعبه يصرخ وان يبقى في موقع المسؤولية من دون ان يرف له جفن؟

السلطة السياسية الحاكمة حولت طموحات اللبنانيين واحلامهم الى الامل بألا يجوعوا، ليصبح الشبع اكبر انجاز.

السلطة السياسية دمرت مستقبلنا وماضينا وحياتنا وطموحاتنا واحلامنا.

السلطة السياسية سرقت الحليب من افواه أطفالنا وسلبت الدولارات من اقساط جامعاتنا ولم يرف لها جفن.

سلطاتنا السياسية ومسؤولونا ارتكبوا وما زالوا يرتكبون اكبر الجرائم بحقنا.

سلطة سياسية تغض النظر عن التهريب عبر الحدود رغم الجوع والفقر، وآخر حادثة في عكار توقيف الاهالي شاحنة كانت تهرّب الوقود المدعوم الى سوريا، وهذا اكبر اثبات على تواطؤ وفشل من يحكمنا من اكبرهم الى اصغرهم.

بعد افلاسنا وتدميرنا ما زالوا يسمحون للأسباب التي دمرتنا بالاستمرار. فماذا يمكن وصف ذلك بغير الاجرام المتعمد؟

في النهاية لا يمكن لأحد ان ينفي ان صرخة “بدي حليب لابني” اكبر دليل على فشل طبقة حان وقت رحيلها.