//Put this in the section //Vbout Automation
سمير عطا الله

بعد ايفيتا وغيفارا… الارجنتيني الثالث – سمير عطالله – النهار

بدأ تاريخ جديد في العالم العربي، أو نوع آخر من التاريخ، عندما قلب العقيد حسني الزعيم العام 1949 الحكم المدني في سوريا. اعتقل رجال الاستقلال وحَبسَ النظام الديموقراطي، وعلّق جميع انواع الحريات، وشرع في بناء سوريا جديدة. عاشت تجربته بضعة اشهر، ثم قتله عسكري آخر، ثم بدأ في العالم العربي عصر الدبابة والخوذة والبحث عن فلسطين في الثكنات.

جاء #البابا فرنسيس إلى العراق، مهد الحضارات الأولى، وبلاد ما بين النهرين، حطام من القساوات والإبادات الدينية والفكرية والعرقية والمذهبية. ثمة مسار بدأ في العراق العام 1958 عندما دخل الزعيم عبد الكريم قاسم مع جنوده الى قصر الرحاب، وذبحوا كل من كان حياً. وبحثوا عن رئيس الوزراء نوري السعيد فلم يجدوه. ولمّا عثروا عليه في اليوم التالي محاولاً الهرب في ثوب امرأة، مزقوه و”قصّبوه” وحشوا اعضاءه الجنسية في فمه، وعلّقوه على عمود كهرباء. بعد فترة اطلق رفاق الزعيم عبد الكريم النار عليه في مبنى الإذاعة. وعندما حاول الاستنجاد بعبد السلام عارف، الواقف خارجاً، اعتذر منه بداعي أنه لا أمر له في الأمر.




وبعد فترة، قُتل عبد السلام في تحطم طائرة هليكوبتر. وهي الطائرة التي قُتل فيها، وزير دفاع المشير عمر البشير في السودان. وبعد انتهاء فترة الحداد تزوج المشير من ارملة وزيره الحسناء في عرس دعا إليه عشرة آلاف ضيف. والمشير وعروسه يقبعان الآن في سجون الخرطوم بين صناديق العملات التي جمعاها نقداً، بالجنيه السوداني المهلهل، أو صعبة كاليورو والدولار.

الذين يتحدثون عن الهجرة المسيحية الارغامية من العراق، ينسون ان نصف الشعب العراقي قد هُجّر أو مات في الحروب، أو في فقر العقوبات. منذ 1958 وانتصار الزعيم عبد الكريم، على الملكية الحاضنة للتعددية العراقية، شهدت البلاد جميع انواع التوحش: السجون، التعذيب، الاعدامات في الساحات العامة، والاقتحام العسكري للدول المجاورة. ودائماً تحت راية الثورة وفلسطين.

لم يأتِ البابا من اجل مسيحيي العراق فقط. ليسوا سوى عنوان لقضية الانسانية التي تتعداهم. ها هو خليفة بطرس ومريد فرنسيس الأسيزي، قديس الفقراء والمساكين والمتعبين، يضم الى ندائه الأيزيديين، “عبدة الشيطان”، الذين ابادتهم “داعش” المؤمنة، وسبت نساءهم، واستحلت القاصرات منهم، وباعتهنَّ في البلدان.

المسألة اوسع واعمق من مسيحيي الشرق. المسألة هي الشرق. هي الخيار بين الخروج من الهمجية والبربرية، الى سلوك الإنسان وحضارة القانون. طبعاً، يؤلم اكثر، أن يحدث ذلك في بلاد حمورابي، رائد القوانين البشرية، ولكن ماذا عنا هنا؟ حيث باع احد وزراء الثقافة، مدرسة القانون الروماني لبعض المقاولين؟ نظرة احتقارية واحدة الى القيَم والتحضّر.

الايزيديون كانوا مواطنين عاديين في العراق، وديناً معترفاً به. وكان يشاركهم في فكرهم الساذج، رجال مثل جورج ف. كينان، كبير مفكري اميركا السياسيين، وخلاصة الفكرة، أن الله الرحيم لا يخيف، ولذا يجب مداراة ابليس الرهيب وشروره.

يحمل البابا فرنسيس الى العالم فكرة الانتصار بالرحمة. فالمسيحية، كما وردت في الاناجيل، ليس فيها كيد وانتقامات صغيرة وثأر محتقر. خلع فرنسيس عنه اثواب الزركشات وارتدى ثوباً بسيطاً ابيض، وترك الجناح البابوي الى شقة صغيرة في قصور الفاتيكان. ومن قبل كان ماريو بيرغوغليو، مطران بوينس ايرس، قد ترك مقر المطرانية وانتقل للعيش في شقة صغيرة في المدينة، بعدما كثرت مظاهر الفقر فيها. اعتاد الارجنتينيون ان يظهر قديسو الفقراء امام جثمان ايفا بيرون يودّعونها، غير مصدقين ان مثلها يموت. هكذا من قبل رفض قادة الاسكندر ان يصدقوا دخوله النزع الأخير. ترفض الناس فكرة غياب اهل التجلي مثل سائر البشر.

دمّر العسكريون الارجنتين ايضاً. ظنوا ان في إمكانهم ان يصبحوا خوان بيرون آخر. لكن كان هناك بيرون واحد، وديغول واحد. وفي مرحلة السبعينات، تحوّل جنرالات الارجنتين الى سفاحين يرمون المعارضين في البحر من الطائرات، فيما كان جارهم في تشيلي، اغوستو بينوشيه، يرميهم في الحفر الجماعية.
اساء الانقلابيون الى العسكر وسمعة الجيوش التي حمت الناس، والحريات، والقيم، في كثير من مراحل التاريخ. وفي حين هُزمت فرنسا بمدافعها، انقذها ديغول بسياسته وفكره وسعة صدره. تسلّم العسكريون السلطة في الجزائر وليبيا، وحوّلوا اغنى بقع الأرض الى شعوب فقيرة على امتداد المتوسط.
انهارت الدولة العربية المعاصرة قبل قيامها عندما حل العنف محل الفكر. قال الرئيس شارل حلو لطبيبه الدكتور زيدان زيدان: انتهى المسيحيون في الشرق، في آخر محاولة الغاء بين مسيحيي لبنان.

انهت حروب المسيحيين المسيحية في المشرق، ولا تزال. أسالت دماءهم وأذلّت كراماتهم وشردتهم في انحاء الأرض. وإذ يتساءلون اليوم لماذا لا يأتي البابا الى لبنان، فلأنه لا يعرف الى اي لبنان يأتي. أو إن كان يسمح له بالحضور زعيم مسيحيي الشرق والمشرق وجميع مشارق الأرض.
ليس صحيحاً ان الكنيسة لا تعمل في السياسة. عندما قال ستالين، كم فرقة يملك الفاتيكان، لم يكن يتخيل ان البابا البولوني يوحنا بولس سوف يكون على رأس الفرقة الأولى في هزيمة الشيوعية. وسوف تلعب البطريركية المارونية دوراً أساسياً في قيام لبنان واستقلاله منذ قرون، وخصوصاً في الطائفة، التي بلغت الهمجية في بعضها أنهم اقتحموا الصرح مثل زعران في مهرجان للأزقة.

من الموصل ونينوى هزّأ البابا فكرة تحالف الأقليات. وقبل العراق كان قد جاء الجزيرة العربية من باب الإمارات. هناك التقى شيخ الازهر احمد الطيب، وهنا التقى آية الله السيستاني، الذي يسكن مثله شقة صغيرة ومتواضعة. هو شأنه أن يلتقي ويلاقي الاسلام والمسلمين جميعاً، أمّا انهم سنّة وشيعة، فهذا شأنهم. وتقتضي الحكمة أن يتدخل المسيحيون فقط حيث يقدرون على الجمع بينهم، وما عدا ذلك شر أو غباء او كلاهما.

يعيش هذا الشجاع برئة واحدة مذ كان في الحادية والعشرين. ومنذ شبابه، مدرّساً للآداب والفلسفة، تبنّى قضايا الفقراء على غرار المسيح الذي عاش حياته بلا منزل، وفي ذلك لم يكن مثل مواطنته ايفيتا فحسب، بل ايضاً مثل مواطنه ارنستو غيفارا، “التشي”، أو الرفيق. أول بابا من اميركا اللاتينية. أول بابا يسوعي. أول بابا يأتي الى الجزيرة والعراق. باسم الإنسانية جمعاء، لا باسم الاقليات التي تزداد هجرة وذوباناً كل يوم.