إحذروا تلاشي الطبقة الوسطى! – رامي الرّيس – نداء الوطن

المشاكل السياسيّة والاقتصاديّة والاجتماعيّة المتراكمة باتت تتطلب تفكيراً من خارج الحلول التقليديّة يمكن من خلاله النفاذ إلى محاولة لجم التدهور والانهيار ووقف الصعود الجنوني لسعر صرف الدولار الأميركي واستعادة القليل من قيمة العملة الوطنيّة التي تآكلت قدرتها الشرائيّة بشكل كبير خلال الأشهر الماضية.

لقد تلاشت الطبقة الوسطى في لبنان منذ زمن بعيد، ولكنها الآن سقطت بالضربة القاضية بعد أن وصلت معدلات الفقر إلى مستويات غير مسبوقة وأدت إلى انضمام لبنان إلى قائمة الدول الأكثر فقراً في العالم رغم كل ما يتمتع به من إمكانات بشريّة لطالما شكلت خزاناً ثرياً عكست نفسها في كل بلدان الاغتراب من حيث النجاحات الباهرة في مختلف القطاعات والمجالات.




ليس هناك في الدول ما لا يمكن إصلاحه، والتدهور الراهن والمرشح للتفاقم، رغم فداحته وضراوته يمكن وقفه وذلك من خلال خطوات فوريّة وسريعة وشاملة تتيح الخروج من القعر بصورة تدريجيّة. ولكن تحقيق ذلك يتطلب رجال دولة يترفعون عن مصالحهم الخاصة والفئويّة، يحترمون الدستور وأحكامه من دون أن يخترعوا معارك وهميّة حول صلاحيات وأدوار ومواقع.

سوف يترك إنهيار الطبقة الوسطى مفاعيل سلبيّة على المدى الطويل كما أن إعادة بنائها لن يكون يسيراً بفعل تضافر مجموعة من العوامل المعقدة التي ستعيق قيامها مجدداً ليس أقلها الفترة الزمنيّة الطويلة التي ستتطلبها إعادة الثقة للعملة الوطنيّة والبناء المتجدد لأنظمة التعليم العام الذي يشكل حجر الأساس في تكوين الطبقة الوسطى ويجعلها بمثابة صمام الأمان في المجتمع لا سيما بسبب قدرتها على فرز المثقفين والكتاب والمفكرين والأدباء والمبدعين. معظم هؤلاء لا ينتمون إلى الطبقات الميسورة التي تكرس جهودها لتحقيق الكسب التجاري والمالي.

إن الطبقة الوسطى في كل الدول، بالمواصفات المشار إليها أعلاه، تضطلع بالدور الرئيسي في عمليات التحول الديموقراطي في المجتمعات إذ تنضوي فيها الأطر النضالية والمؤسساتية التي يمكن من خلالها السعي لإحداث التغيير. والأدق من ذلك، أنها تمتلك القدرة والمعرفة والوعي الكافي لإدارة العمليّة التغييريّة من خلال توسل الأساليب السلميّة والحضاريّة التي لا تتيح توليد الصراعات والنزاعات المسلحة التي هي بمثابة وصفة تدميريّة للمجتمعات برمتها.

إنما بالاضافة إلى كل هذه العناوين الأساسيّة، ثمة منزلق خطير تنحدر إليه المجتمعات التي تتلاشى فيها الطبقة الوسطى، ألا وهو السقوط الأخلاقي. بطبيعة الحال، ليس المقصود في هذا الكلام الايحاء، لا من قريب ولا من بعيد، بأن الأخلاق معدومة لدى الفئات الأخرى؛ بل على العكس تماماً خصوصاً في ما يتعلق بالطبقات الفقيرة والكادحة التي تعض على جرحها وتكافح في سبيل لقمة العيش الكريم.

ولكن، ثمة منظومة من القيم تسقط مع سقوط الطبقة الوسطى وتعكس نفسها في الميدان السياسي وما تلبث أن تتمظهر في الحياة الاجتماعية والاقتصادية والبيئية وسائر مرافق المجتمع. الانهيار الأخلاقي هو تتمة طبيعية للانهيار الاقتصادي والاجتماعي، ولكن مفاعيله أشد خطورة لأنها تبيح المحظورات.

يستحق لبنان واللبنانيون أفضل مما يجري حالياً. هم قادرون على العيش وإعادة ترتيب أمورهم، كما كانوا دائماً، شرط توفر الحد الأدنى من الاستقرار الاجتماعي بما يسمح لهم بالعمل والانتاج والابداع والتفاعل الحي. يستحقون دولة طال انتظارها توفر لهم الحد الأدنى من الكرامة الانسانيّة والمساواة في الحقوق والواجبات، ويستحقون رجال دولة (أو سيدات) يملكون القدرة على العبور بالبلاد نحو حقبة جديدة تلاقي تطلعات الشباب وطموحاتهم.

لبنان يستحق أكثر من ذلك!