أيّ دلالات لانضمام الضاحية إلى التحرّكات الشعبيّة؟

مجد بو مجاهد – النهار

تندرج التحرّكات الشعبية العابرة للمناطق اللبنانية في خانة المشهد الطبيعيّ الذي يخترق رتابة أوضاع غير طبيعية لا تصلح معها حالة الإنكار الخارجة عن سياق الطبيعة، في وقت تحوّل فيه تأمين القوت اليوميّ إلى مهمّة شاقّة تصدح من أجلها الصرخات المعيشيّة التي علت بصوت موحّد مجتمعيّاً. ولم يشكّل تعامل السلطة السياسية مع الواقع الموجع مفاجأة بالنسبة إلى خبراء اقتصاديين لجهة “نغمة” تحميل المسؤولية للصّرافين المتكرّرة في كلّ مفترق، واتّخاذ المسؤولين اللبنانيين ذرائع غير منطقيّة وتدابير شكليّة لا جدوى منها، فيما مكمن الخلل معروف ومتمثّل بغياب تنفيذ الإصلاحات الاقتصادية التي تفتح الباب أمام دخول العملة الصعبة إلى البلاد. وقد أتى إعلاء الصوت بصرخة موحّدة سُمع صداها في المناطق المحسوبة شعبيّاً على “حزب الله” ليؤكّد بأنّ الوجع المعيشيّ الذي وصل إلى مستويات تخاوى فيها وضع لبنان بأفغانستان، لا يميّز بين مواطنٍ وآخر على الأرض وسط عجز الطبقة الحاكمة التي يشكّل “الحزب” الطرف الأكثر تأثيراً فيها.




ولا تتردّد مصادر ناشطة في الانتفاضة ومواكِبة عن كثب لحركة الاحتجاجات التي تفاعلت في الضاحية الجنوبية لبيروت ومحيطها قبل أيام، في التأكيد لـ”النهار” بأن “الأوضاع في البلاد تجاوزت مرحلة النقاش الخاص بتعريف التّحركات الشعبيّة حتى وإن حاولت الأحزاب والقوى السياسية أن تتشابك مع مشهديّة النزول إلى الشارع والمشاركة فيه، لكنها لن تستطيع الإمساك بالقرار، حيث يشارك المواطنون بشكل عفوي وغير منسّق لأن الواقع الاقتصادي في البلاد سيصل إلى ظروف أكثر صعوبة، فيما لا تكمن المشكلة في الوضع المالي فحسب، بل في أنّ النقاش السياسي في لبنان لا يتطرّق للأمور المعيشية”؛ مشيرةً إلى أنّه “لا يمكن الرهان فقط أو الانتظار بأنّ بيئة حزب الله وحدها ستقلب المعادلة، فيما لم نر زخماً كبيراً أيضاً في المناطق المحسوبة على قوى سياسية أخرى، بما يعني أن الأحزاب لم تصل حتى الآن إلى لحظة الخسارة النهائيّة ولا تزال في موقع المدافع – بما فيها “الحزب” – وهي لا تزال قادرة على استخدام أدوات توجيه جمهورها بالترغيب أو التخويف الطائفي، لكنها ستقدر على ذلك لوقت قليل فحسب”.

وسينعكس هذا المشهد على “حزب الله” وسواه من الأحزاب والبيئات التي لا تزال تحفظ شعرة معاوية مع جمهورها، تتابع المصادر المواكبة لحراك الشارع، في وقت يحمل هذا المشهد دلالات بداية تحرّر شعبيّ في بيئة “الحزب” وسواها من البيئات الحزبية والطائفية المضطلعة اليوم بالدور والهيمنة السياسية التي تمارسها على الحالة السياسية العامة في البلاد.

وإذا كانت بعض الشعارات التي رُفعت في تحرّكات الأيام الماضية قد حملت معها تعابير سياسية، فإنّ هذا المشهد تراه المصادر نفسها أنّه “نوعٌ من تنفيس احتقان معيّن عبر النداءات للتوجّه إلى بعبدا باعتباره مؤشّراً سياسيّاً شديد الأهمية إذا كان عفوياً، ما يشير إلى أن هذه الفئات تتفلّت في آرائها من الممسكين بالقرار السياسي في هذه المناطق، أمّا إذا كان ذلك الخطاب منسّقاً سياسيّاً فهذا دليل على تخبّط السلطة السياسية وانتقال خلافاتها إلى مستوى أعلى، بما معناه أن المشهدين يعبّران عن المأزق الذي تعيشه المنظومة السياسية في البلاد”.

تعدّدت التحليلات التي استقرأت طبيعة مشهد التحرّكات والنداءات التي كانت أطلقت في الضاحية، فيما رأت بعض المقاربات أن المشهد يحمل رسائل أبعد من الوجع المعيشي ويرتبط ببعد سياسيّ. وتجدر الإشارة إلى أنّ أوساطاً معنيّة كانت نفت لـ”النهار” توافر أيّ قرار لدى حركة “أمل” بالمشاركة في تحرّكات الضاحية الجنوبية؛ في إشارتها إلى أنّ هذا المشهد الاحتجاجي لا يحمل هويّة سياسية متعلّقة برئيس مجلس النواب نبيه بري بل يرتبط بالواقع المعيشي العام والتضرّر من الأزمة المالية المتفاقمة كما في أيّ منطقة لبنانية أخرى.

وإذا كانت تنوّعت وجهات النظر المعبّرة عن قراءة طبيعة التحرّكات الشعبيّة في الأيام الماضية بين غضب شعبيّ من جهة، أو رسائل سياسية موجّهة من رئيس مجلس النواب إلى رئيس الجمهورية من جهة ثانية، فإنّ عضو تكتّل “لبنان القوي” النائب ماريو عون، يختار الاحتمال الثاني في قوله لـ”النهار” إنّه “أصبح معروفاً بأن الأفرقاء السياسيين على الأرض الذين سميّتهم مع إضافة بعض القوى الأخرى، يستهدفون فريق التيار الوطني الحرّ ورئيس الجمهورية بشكل مباشر وعلنيّ، لكن هذه الرسائل لا تبدّل شيئاً بالنسبة للوضع القائم حالياً. تظهر هذه التحركات بناءً لحسابات معينة مبنية على إصرار التيار الوطني على التدقيق الجنائي. يحاولون تبديل قواعد اللعبة وتخليص أنفسهم من طروحاتنا لأنّهم لا يريدون أيّ محاسبة، لكن ذلك لن يحصل لأنّ الأمور ستبقى مستمرّة حتى النهاية لمعرفة من مدّ يده إلى خزينة الدولة وأموال المودعين وأوصلنا إلى ما وصلنا إليه اليوم من فقر”. وإذ ينفي عون أنّه واكب أو شاهد تحرّكات في الضاحية، يقول إنّ “الرئيس بري لديه حنكة سياسية كبيرة وهو حليف حليفنا ويفترض أن يكون التعامل مع التيار الوطني ورئيس الجمهورية مشابهاً لتعامل حزب الله معنا، وهو علناً يبدو على مسافات واحدة لكن من المؤكّد أنّ التيار الوطني ليس طيّباً على قلبه إلى هذه الدرجة”.