//Put this in the section //Vbout Automation

عن بكركي والمعارضات اللبنانية – زياد ماجد – القدس العربي

أثارت مبادرة البطريركية المارونية والحشد الحزبي الذي رافق الإعلان الرسمي عنها في بكركي في 27 شباط/فبراير المنصرم سجالاً سياسياً هو الأوّل من نوعه في لبنان، منذ محاصرة الثورة وتراجع التحرّكات الشعبية وانهيار الأحوال المعيشية وانتشار كورونا وانفجار المرفأ.

فالمبادرة، ظهّرت ببنودها بعضاً من أبرز عناصر الانقسام الداخلي اللبناني الراهن، ونبّهت في ما غاب عنها إلى بعضه الآخر. وهي إذ أشارت بوضوح إلى مسألة السلاح غير الشرعي، أي سلاح حزب الله، وطالبت بمؤتمر دولي حول لبنان يثبّت كيانيّته وصيغة حكمه ويدعم جيشه ليمسك وحيداً بقرارات الحرب والسلم ويمنع «توطين» الفلسطينيين فيه ويُتيح «عودة آمنة» للاجئين السوريين المقيمين على أراضيه ويتّخذ الإجراءات لتنفيذ جميع القرارات الدولية المتعلّقة به، ركّزت على ضرورة تبنّي الدولة اللبنانية للحياد في سياستها الخارجية بعيداً عن المحاور والتحالفات الإقليمية والدولية، وأعلنت رفضاً لما تعدّه انقلاباً يشهده البلد وتتعطّل فيه الدولة وينعدم بسببه الأمان.




في المقابل، لم تُشر المبادرة التي تلا نصّها البطريرك بشارة الراعي إلى المسألة الإصلاحية، إن في السياسة والإدارة أو في الاقتصاد المتهالك. وتجاهلت أن النظام الطائفي الذي تدعو إلى التمسّك به ليس ولاّداً عبر محاصصته وزبائنيته للفساد الذي نددّ به الراعي نفسه فحسب، بل هو أيضاً المسبّب الأول للأزمات ولتحوّل ما سُمّي بالشراكة والميثاقية – بعد التبدّلات الديموغرافية والسياسية – إلى مدعاة تعطيلٍ دوري للدولة ومؤسساتها يُمارسه كل فريقٍ ما لم يحصل على «حقوق الطائفة» التي يقول بتمثيلها.
وهو يفتح الباب أمام التدخّلات الخارجية، إذ غالباً ما يبحث أقطابه عن الاستقواء بالقوى الإقليمية في مواجهة خصومهم، في حين تعمد تلك القوى إلى دعمهم خدمةً لمصالحها، أو مشاغبة على مصالح أعدائها. وهذا في ذاته مقتل للحياد الذي يُنادي به البطريرك، والذي يتطلّب في أي حال نقاشاً حول معانيه وسُبله وفلسفته ومدى احترامه للمواثيق والمعاهدات الدولية وحقوق الإنسان التي لا حياد مثلاً تجاه انتهاكها، ديبلوماسياً وقانونياً على الأقل. ومن الضروري هنا، بما أننا نتحدّث عن القانون الدولي والحقوق الإنسانية، أن نُشير إلى أن لبنان مطالب – عوَض الإثارة الدورية لفزّاعة «التوطين» – باحترام حقوق اللاجئين الفلسطينيين والسوريين المُنتهكة على أرضه منذ سنوات طويلة، إلى أن تتوفّر شروط عودتهم إلى بلادهم أو انتقال من يشاء منهم طوعياً للعيش في بلاد أخرى.

لكن بمعزل عمّا ورد وعمّا يمكن إضافته من تساؤلات حول جدوى المطالبة بمؤتمر دولي لبحث قضايا مختَلف على معظمها داخلياً، في وقت تتدخّل أو تتواسط كثرة من الدول أصلاً مباشرةً أو عبر حلفائها أو عملائها في الشؤون اللبنانية، يُفيد ذكر مسألتين مهمّتين عبّرت عنهما المبادرة.

المسألة الأولى هي إعادتها موضوع سلاح حزب الله الصانع الأول لفائض قوّة الحزب ولسطوته على الحياة العامة إلى قلب النقاش السياسي بعد غيابه عنه لفترة. والمسألة الثانية ربطاً بذلك، هي تبدّل موقف بكركي من تحالف حزب الله وعون الذي سبق أن أمّنت له غطاءً معنوياً وسياسياً في السنوات الأخيرة. وفي هذا التبدّل، رغم الاعتبارات الطائفية المرافقة له، ما قد يُفيد في إسقاط نغمة «التحالف الشيعي المسيحي» التي وُظّفت لتبرير هيمنةٍ وتسويغ امتلاك سلاحٍ واستخدامٍ عدواني له خارج الحدود (في سوريا) بحجّة حماية الأقلّيات والذود عن لبنان من «التطرّف الداعشي» وغيرها من المقولات التي استُهلكت للتعمية على الأسباب الإيرانية الصرفة في توجيه هذا السلاح وحمَلته.

ولعلّ في الإرباك الذي تسبّبت به هاتين المسألتين تحديداً ما جعل أطراف السلطة يتريّثون حتى الآن في الردّ المباشر أو في التعليق، في ما خلا ترداد المقّربين من حزب الله رفضهم الحياد والتدويل وتمسّكهم بالمقاومة.
في المقابل، انقسمت معظم القوى الحزبية المعارضة أو الخارجة مؤخّراً من السلطة تجاه المبادرة والموقف البطريركي الجديد. ويمكن – ولو مع بعض الاختزال – رصد ثلاثة اتّجاهات عبّرت عنها البيانات والتصريحات الصادرة عن القوى المذكورة.

الأول، مستهجن أو رافض، وفيه أحزاب قديمة وحركات جديدة درجت على التركيز في خطابها وتحرّكاتها على مواجهة الحريرية الاقتصادية وحلف المصارف والدعوة إلى إسقاط النظام الطائفي وإحقاق المواطنة والعدالة الاجتماعية، من دون ذكر حزب الله وسلاحه (الطائفي)، ومن دون الإشارة طبعاً إلى أنه صار الحامي الأول للنظام، وأنه السبب الرئيسي في انكشاف البلد على الصراعات الخارجية وفي «تدويل» شؤونه حتى بلا دعوات إلى التدويل. وهي إذ تستنكر الكلام عن الحياد، لا تتطرّق في أيّ من بياناتها أو وثائقها إلى مسألة انخراط الحزب الشيعي في الحرب السورية دفاعاً عن نظامٍ متّهم بأبشع الفظائع، وتحاذر التطرّق إلى الحرب تلك رغم آثارها المباشرة على لبنان وتهجيرها مئات آلاف السوريين ودفعهم للإقامة القسرية في أرضه. حتى أن بعضها كفّ عن ذكر جريمة انفجار المرفأ وملابساتها والتحقيقات بشأنها بعد أن تبيّن أن للنظام السوري علاقة باستيراد نيترات الأمونيوم الذي تسبّب تخزينه الفضائحي بها.

الاتّجاه الثاني، مرحّب بحماس بالمبادرة ومن دون تحفّظ، وقوامه أطراف خرجت من السلطة بعد ثورة 17 تشرين الأول/أكتوبر 2019 ومجموعات ما زالت على مقربة في شعاراتها وتحرّكاتها من تركة معسكر 14 آذار. وهذه إذ تقارن بين دور البطريركية المارونية اليوم ودورها بين العامين 2000 و2005 حين تصدّى بيان المطارنة للاحتلال العسكري والمخابراتي السوري وحين لعب البطريرك الراحل نصر الله بطرس صفير دوراً كبيراً في دعم «انتفاضة الاستقلال»، تُسقط ما جرى خلال السنوات العشر الأخيرة من إعادة تموضع سياسي قادها البطريرك الراعي (وكانت هي نفسها محبَطةً منها وممّا عدّته تودّداً لعون وحزب الله وللنظام السوري)، وتُسقط أيضاً كل درس أو عبرة من الماضي القريب متمسّكة بنفس الأوهام التي أوهنتها بعد العام 2005 وبنفس الشعارات التي أسقطها «رفض إسقاط إميل لحود في الشارع» ليدفنها «التحالف الرباعي» من بعده لأسباب كانت (وما زالت) طائفية و»نظامية».

أما الاتجاه الثالث، ففيه حركات وكتل صامتة أو مرتبكة تحاذر التأييد أو الانتقاد أو التعبير عن موقف واضح من المضمون والشكل والموقع الصادرَين عنه، وتنتظر على الأرجح ميَلان الكّفة أو تبعات المبادرة لتصدر تعليقاتها.

وحدهم وسط هذا المشهد المضطرب، طلّاب وشباب شبكة «مدى» اليسارية العلمانية، التي تضمّ نوادي فازت في الانتخابات في معظم الجامعات الخاصة، أصدروا بياناً متكاملاً ومتماسكاً للتعليق على المبادرة بجميع بنودها، وللبحث في ما فاتها وفات مريديها ومخاصميها على حدّ سواء. ويمكن القول إنهم الطرف المنظّم الوحيد في لبنان راهناً الذي لا لبس في مواقفه من حزب الله وسلاحه وسطوَته وتحالفاته الإقليمية، ومن فساد الطبقة السياسية ومن خيارات الحريرية الاقتصادية وسياسات البنك المركزي وجمعية المصارف التي ساهمت في إفلاس البلد. وهم في كل ذلك ينطلقون من مواقع متحرّرة من الهواجس الطائفية، تنادي بالإصلاح والتغيير، وتدعو لحماية لبنان من التدخّلات الخارجية من دون إخفاء انحيازها إلى قضايا التحرّر من الاحتلال والاستبداد في المنطقة والعالم…

يبقى أن لبنان ما زال، بمعزل عن تناقضات أطراف السلطة أو معارضاتها ومبادراتها، في مرحلة تجاذبات وانهيارات داخلية وانتظار تطوّرات إقليمية لا يبدو أنها قريبة الحصول أو أن توازن القوى سيتبدّل كثيراً من بعدها.