بين عون ونيرون

علي حمادة – النهار

يُجمع المراقبون لأزمة تشكيل الحكومة الجديدة، على ان #رئيس الجمهورية ميشال عون ماضٍ حتى الآن في التشدد في مواقفه، ليس لجهة التشكيل والمعايير والمقاييس التي يضعها على طاولة التفاوض مع الرئيس المكلف سعد الحريري، بل لان الهدف الأبعد لكل مناورات عون وصهره جبران باسيل يتلخص بمحاولة إبعاد الحريري حتى لو تطلّب ذلك استمرار التعطيل الحكومي الى ما لا نهاية. فعون وباسيل يلعبان آخر أوراقهما السياسية، وخصوصا بعدما تبين حجم التراجع الشعبي الذي أصاب الحالة العونية،
كما تبين كم ان وريث ميشال عون المعلَن يعاني من عزلة خانقة داخليا وخارجيا، لا يعوّضها سوى استظلال “عباءة” السيد حسن نصرالله، الذي للمرة الأولى يستطيع القول انه هو من يمنح قدرا اكبر من الغطاء المسيحي لميشال عون، بعدما كان عون هو من يغطي “حزب الله”، أكان مسيحياً، أم في مؤسسات الدولة، إضافة الى أمور أخرى معروفة مثل تغطية الاغتيالات،
والسلاح بشكل عام . للمرة الأولى منذ بداية العلاقة المعلنة بين “حزب الله” وعون يجلس الأخير في حضن الأول بشيء من عدم التناسب في منح المكاسب. فمعركة عون الحكومية ضد الحريري مستحيلة من دون جرعات الدعم التي يقدمها الحزب المشار اليه بين الفينة والأخرى، من دون ان يمنع الامر الحزب من إقامة شيء من التوازن بين تأييده للحريري رئيساً للحكومة، والتحالف القائم مع عون المنتمي الى المحور الذي تقوده ايران إقليمياً، و”حزب الله” لبنانياً. اكثر من ذلك،
واستنادا الى الهبّة الشعبية المسيحية التي التفت حول البطريرك الماروني بشارة الراعي، يمكن القول ان عون بدأ يخرج شيئا فشيئا من الضمير المسيحي، بدليل قيام الكنيسة بسحب البساط من تحت أقدام “الرئيس القوي”، وعمليا انهاء عهده في السياسة، وتهديد مستقبل وريثه السياسي المعلن الى أبعد الحدود. فقبل اشتعال “ثورة 17 تشرين” كان المراقبون العارفون يجزمون بأنه لو حصلت انتخابات رئاسية فورية لكانت حظوظ جبران باسيل باقتناص الموقع كبيرة جدا. ولكن منذ الثورة، ثم انفجار المرفأ، وانهيار الوضع المالي والاقتصادي في البلد، صار الحديث عن حظوظ باسيل في وراثة عمه ضرباً من الخيال والأوهام. وهنا قد تكون مرارة ميشال عون الذي توهّم انه في مطلع الالفية الثالثة يمكنه ان يؤسس لـ”اقطاع” سياسي يدوم بعد ان يرحل عن هذه الدنيا. فمكانة الرئيس تدهورت الى حد بعيد، وموقع باسيل المعنوي والسياسي (اللهم في ما عدا استغلاله للرئاسة) وصل الى الحضيض، اكان في الداخل ام في الخارج. واليوم يمكن الجزم بان ما من احد في المسرح السياسي يتوق الى التقرب من جبران باسيل، وحتى من رئيس الجمهورية الذي تكاد حاله تشبه حال الرئيس اميل لحود في سنوات التمديد الثلاث: شبه عزلة داخلية لا يقطعها سوى تمسك “حزب الله” به، عزلة خارجية مردّها الى ان المجتمعَين الدولي والعربي أدارا الظهر له. هكذا صار عون وصهره عبئاً على المصالح اللبنانية، وعلى المصالح المسيحية الى درجة دفعت الكنيسة الى التدخل وأخذ زمام المبادرة من يديهما.




في النهاية سوف تتشكل حكومة. وفي النهاية ستحصل تسوية موقتة. وفي النهاية سيكمل عون ولايته، ثم يعود الى بيته. ولكن في النهاية النهاية، سيدخل عون في التاريخ باعتباره الرئيس الذي دُمرت بيروت في عهده، وجاع الناس، وتقاتلوا على علبة حليب كما لم يفعل جياع افريقيا، ولم يرفّ له جفن بل ظل يعزف على “القيثارة” لحن هوس التوريث!