الأزمة الحكومية مستمرّة و”الحزب” لن يحسم… ولا يستطيع!

سركيس نعوم – النهار

يعرف الرئيس المكلّف سعد الحريري أن لا مشكلة فعلياً له مع “حزب الله” لكنه يريد أن يحسم المعركة وربما الحرب الدائرة بينه وبين حليف الأخير النائب جبران باسيل رئيس “التيار الوطني الحر”، يدفعه الى ذلك المدى الذي بلغه عداء باسيل له وشراسته في محاربته مستنفراً للنجاح في ذلك نشاطه وجهده والجمهور المسيحي الموالي والمعارض له في آن، انطلاقاً من اقتناع راسخ عنده وربما غير معلن بأن الخطر على هذا الجمهور كان السنّة مصدره في صورة عامة، وبأن هناك مصلحة مسيحية كما مصلحة شيعية في إنهاء هذا الخطر طبعاً من دون إنهاء دور مصدره أي الطائفة السنّية على الصعيد الوطني اللبناني. يرى الحريري أن تكليفه أعطاه ورقة مهمة لمبادلة مناكفة باسيل بمثلها أو ربما بأشد منها ولمنعه من تحقيق أهدافه السياسية بدءاً بالتربّع على كرسي رئاسة الجمهورية ومروراً بتزعم المسيحيين وانتهاءً باستعادة صلاحيات مهمة للرئيس المسيحي بواسطة تعديلات دستورية جريئة وأعراف يساعده حليفه “#الحزب” على تكريسها إذا تعذّرت التعديلات أو استحالت.




والورقة هي التكليف الدستوري، وإن قبل صدور مرسومه، إذ أن العادة درجت على إصدار مراسيم قبول الاستقالة والتكليف ثم تأليف الحكومة بعد التأليف. ذلك أنه حصل عليه بعد استشارات نيابية ملزمة دستوراً أجراها رئيس الجمهورية. فضلاً عن أن لا شيء في الدستور الذي عدّله “اتفاق الطائف” لعام 1989 ولا في هذا الاتفاق وفي مفاوضات الـ30 يوماً تقريباً التي حصلت في هذه المدينة السعودية برعاية المملكة وسوريا ودول عربية كما برعاية أميركا.
علماً أن بعض المصرّين على تصفية الحسابات مع الحريري وربما مع أي سنّي يكلّف تأليف الحكومة يحاولون العودة الى المداولات في الطائف قبل التوصل الى صيغة نهائية لوثيقة الوفاق الوطني الجديدة كي يقولوا أن موافقة تمت على إلزام الرئيس المكلّف بمهلة زمنية يعتذر بعدها إذا أخفق في مهمته، لكنها لم تُدرج في الاتفاق لرفض كبار من النواب المجتمعين في الطائف ذلك ومنهم الراحل (الرئيس صائب سلام). لكن علماً أيضاً أن نواباً ضليعون في القانون شاركوا في الطائف ينفون هذا الأمر من دون نفي البحث فيه، ويقولون هل يصبح كل أمر طُرح في الاجتماع المذكور ثم رُفض أو تم تجاهله جزءاً من وثيقة وفاق وطني ومن دون دستور عُدّل على أساسها وبعد أكثر من ثلاثة عقود على العمل بها؟ هذا فضلاً عن أن العرّاب الشيعي للطائف الرئيس الصديق حسين الحسيني والمتمسّك بتطبيقه نصاً وروحاً، وذلك لم يحصل حتى الآن يرفض حتى هذه الساعة نشر المحاضر الرسمية للجلسات والمناقشات التي تخلّلتها خلال اجتماع من بقوا على قيد الحياة من نواب مجلس 1972. وحجّته رفض فتح الباب أمام ضرب هذه الوثيقة، وما حصل منذ تطبيقها أيام “العصر السوري” الحاكم في لبنان ثم أيام الإنقسام الداخلي الحاد بعد انتهائه (8 و14 آذار)، وبعد نجاح “حزب الله” و”الثنائية الشيعية” في الإمساك بالبلاد وفي الحصول على غالبية نيابية وفي التحوّل قوة عسكرية تحسب لها إسرائيل وغيرها طبعاً حساباً كبيراً في الإقليم، ما حصل هذا يبرّر رفضه نشر المحاضر في رأيه.

انطلاقاً من ذلك يمكن القول أن الرئيس المكلّف وبعد احتدام المعركة مع باسيل وضع التكليف في جيبه مطمئناً الى أن السنّة والدروز وقسماً من المسيحيين لن يقبلوا تعديلاً دستورياً يحدّد مدّة زمنية للتكليف فيسقط بانتهائها قبل تشكيل حكومة أو شبه تعديل وإن غير دستوري مثل اجتماع مجلس النواب واتخاذه قراراً بسحب التكليف الذي أعطاه للحريري أو أي رئيس مكلّف لإخفاقه في مهمته. يعني ذلك بصريح العبارة أن أحداً لا يستطيع “تشليح” الحريري التكليف حتى “حزب الله” صاحب القوة والنفوذ والسطوة داخلياً وفي المنطقة. علماً أن الأخير يرفض أي خطوة غير دستورية وتحديداً إذا كان من شأنها حرب مذهبية سنّية – شيعية علماً أيضاً أنه متمسّك برئاسة الحريري للحكومة الجديدة وغير مستعد لقبول تنازله عنها. هذا أمرٌ يعرفه الحريري ولذلك فإنه يؤكده بالحرب الشرسة التي يخوضها حالياً مع باسيل، وهي ليست حرباً مع عمه رئيس الجمهورية ميشال عون ولا مع حليف الإثنين بل صاحب الفضل في إيصالهما الى الحكم أي “حزب الله”. ولتفاديه المعركة مع العهد أسباب عدّة أهمها إثنان. الأول تأكده أن فوزه فيها على عون مستحيل مئة في المئة ما دام “الحزب” مستمراً في رعايته وحمايته، وما دام بكامل قوته الشيعية شبه الإجماعية والإقليمية. يعني ذلك أن “الحزب” لن يتخلى عن عون، ولن يتركه ينكسر. ويسري هذا الموقف على باسيل أيضاً وخصوصاً بعد التطورات الأخيرة التي حصلت في البلاد والتي هدّدت ولا تزال تهدّد بعودة وحدة الهدف عند المسيحيين رغم استمرار خلافاتهم بل حروبهم على السلطة والنفوذ، وبعودة التفاهم على عدد من الموضوعات بينهم وبين السنّة والدروز. طبعاً لن يتسبّب ذلك لـ”الحزب” بالخسارة. لكنه يصعّب حركته ومواقفه إذ يتحقّق ضده إجماع معيّن لا ينفع في تصديع “الحزب” بالمعنى اللبناني طبعاً.

انطلاقاً من ذلك يعمل “حزب الله” لتحقيق تسوية بين الحريري وباسيل. ويعني ذلك أن الأخير لن يعود قادراً على فرض شروطه. بذلك يحقّق الإثنان ربحاً جزئياً إذ أن الربح التام مستحيل. فالمملكة العربية السعودية تضغط على الحريري ولن تقبل حكومة فيها تمثيل لـ”حزب الله”، وستستمر في إقفال أبوابها في وجه الحريري إذا شكّلها على هذا النحو، أو حتى إذا اختار لها وزراء اختصاصيين يثق بهم “الحزب”. وعون يدعم باسيل في معركته ضد الحريري. لكن “الحزب” يرفض إعطاء باسيل ثلثاً معطلاً داخلاً وثقلاً كبيراً لأسباب عدّة منها أنه وبعد تجربة معه ولا سيما بعد إيصاله عمه الى رئاسة الجمهورية. لذا لم مستعداً لتسليم ذقنه أو رقبته لأحد. طبعاً التفاوض مستمر بين الإثنين عبر قيادة “الحزب” لكنهما لا يبدوان حتى الآن حاضرين لأي تنازل. فباسيل مثلاً أعرب عن استعداده للتنازل في حال أقرّ مجلس النواب قبل تأليف الحكومة مشروعات قوانين إصلاحية أربعة وقّعها نوّابه وقدّموها الى مجلس النواب. كان ردّ فعل “الحزب” على هذا التنازل الضحك ثم القول “أنه لا يستطيع المونة” على “المستقبل” ووليد جنبلاط وعلى شريكه في “الثنائية” نبيه بري كما على القوى الأخرى. واعتبر موقف باسيل هذا تشاطراً لا شطارة. في اختصار تؤكد الأجواء الإقليمية الحالية والدولية عدم وجود اهتمام جدّي أو مُنتج بلبنان من كبار دول العالم والمنطقة مثل السعودية ودول عربية أخرى ومثل أوروبا باستثناء فرنسا الى حدٍ ما ومثل أميركا. لن يتدخل أحدٌ من هؤلاء لإنجاح المكوّن اللبناني المتحالف معه. وهذا يعني أن لا حكومة قريباً وأن الأزمة الحكومية مستمرة.