ظريف للافروف: إيران ضد “الثلث المعطّل” لأي فريق

سركيس نعوم – النهار

أعداء “التيار الوطني الحر” ورئيسه النائب جبران باسيل ومؤسسه “الجنرال” ميشال عون قبل أن يُنتخب رئيساً يعرفون مآخذ حليفه اللبناني – الإقليمي الأوحد “حزب الله” على قياداته ورئاسته، وكانوا يأملون في أن يؤدي استمرار الأول في ارتكاب الأخطاء المؤذية لـ”الحزب” سواء في ممارساته الداخلية أو في استمرار محاولاته فتح طريق الولايات المتحدة أمامه بعدما أقفلتها في وجهه إدارة ترامب ووزير خارجيته بومبيو بعقوبات فرضتها عليه رسمياً وزارة الخزانة. كما كانوا واثقين من معلومات وصلت الى قيادة “الحزب” تفيد أنه شغّل ولا يزال يشغّل “سفيره” في واشنطن غابي عيسى في إحياء العلاقات القوية التي كانت لـ”التيار” و”عونه” داخل الكونغرس الأميركي بهدف إقناع القيادات الفاعلة فيه بمظلوميته وبخطأ استهدافه بعقوبات جرّاء تحالفه مع إيران عِبر “حزب الله” وبتاريخ تعاونه و”تياره” مع واشنطن في سنوات المنفى التي أمضاها عون في فرنسا.




في هذا المجال تفيد معلومات “الأعداء” أنفسهم كما المتابعين من قرب “حزب الله” والحركة السياسية في البلاد أن باسيل يركّز أمرين. الأول الإفادة من وصول جو بايدن الى رئاسة الولايات المتحدة ومن قراره العودة الى التفاوض مع إيران الإسلامية للإتفاق معها ليس على عودة بلاده الى الاتفاق النووي الموقّع معها فقط بل على دورها في الإقليم وتهديدها لإسرائيل مباشرة وبواسطة “حزب الله”، الإفادة من ذلك لتثبيت موقعه اللبناني الذي لا بد أن يواكب تثبيت الوضع السياسي لا العسكري النافذ لحليفه وراعيه “حزب الله” في لبنان. أما الأمر الثاني، وقد نصحه به أصدقاء أميركيون أو بالأحرى لبنانيون أميركيون، وهو الاستعانة بمكتب محاماة مهم في واشنطن يتولى إقناع وزارة الخزانة بالأدلة الحسية والبراهين أن العقوبات التي فرضتها على باسيل كانت سياسية، ولم تكن لها مبررات قانونية كالفساد مثلاً.

لكن تجدر الإشارة هنا الى أن حسابات أعداء “التيار” و”الحزب” المشار إليها أعلاه قد تكون خاطئة رغم أن المعطيات التي استندت إليها صحيحة وبنسبة كبيرة. ذلك أن “حزب الله” وجد، علماً أنه كان يعرف، أن العداء له في الجو الشعبي المسيحي يزداد على نحو مخيف في الأوساط المؤيّدة لحليفيه الأقربين عون وباسيل و”تيارهما” والزعيم الزغرتاوي رئيس “تيار المردة” سليمان فرنجية. وكان يعرف أيضاً أن الشعور تجاهه في الأوساط الحزبية المسيحية المعادية له من كبيرة وصغيرة ربما يكون بلغ الذروة. هذا فضلاً عن أن “الحزب” يعرف أيضاً أن الجو الشعبي السنّي والدرزي معادٍ له بنسبة كبيرة رغم تحالفاته مع قياديين فيه لهم شعبيات متواضعة. لكنها رغم ذلك تتشابه عواطفها الدفينة مع عواطف المعادين لـ”الحزب”. في ظل هذا الواقع، يؤكد المتابعون أنفسهم أن قيادة الأخير ستضع جانباً في هذه المرحلة الصعبة مخاوفها من حلفائها المسيحيين والمسلمين، وستستمر في دعمهم تلافياً لسقوطهم شعبياً، الأمر الذي يجعل “حزبها” معتمداً فقط على بيئته الشيعية في كل أماكن وجودها داخل لبنان، وعلى البيئات القريبة منها مُعْتَقَداً وعلى قوّتها العسكرية. وهذا وضع لا تريده لأسباب متنوّعة لكنها قادرة على العيش في ظله إذا فرض عليها. علماً أنها ستفعل المستحيل لمنع حصوله معتمدةً على “حكمة” قادة سنّة ودروز يعرفون أو بالأحرى يرجّحون أن تكون نتائج الصراع الدائر في المنطقة وهم في صلبه في مصلحة “الحزب” بالتفاهم مع أميركا وروسيا وإيران وبموافقة إسرائيل وقبول عرب واشنطن الذين لا يستطيعون الرفض.

ماذا يعني ذلك على صعيد الداخل اللبناني وتحديداً الحكومي؟ يعني أن “حزب الله” سيستمر في العمل لتأليف حكومة وبرئاسة الرئيس المكلّف سعد الحريري لا يكون فيها ثلث معطّل وخصوصاً لفريق واحد. وغير موسّعة يكون وزراؤها اختصاصيون مقبولون من “شعوبهم” أي طوائفهم والمذاهب. هذا أمرٌ أكده وزير خارجية إيران محمد جواد ظريف لنظيره الروسي سيرغي لافروف في أثناء زيارته أخيراً موسكو بقوله: “إن إيران ضد هذا الثلث المعطّل أياً تكن الجهة التي تسعى الى الحصول عليه. هذا موقف إيراني ثابت لا عودة عنه”.
وهو أمرٌ يعرفه الحريري لتأكده من علاقته الجيدة بـ”حزب الله”. وقد أثبتها الأخير أكثر من مرة كان آخرها محاولة حليفه اللبناني الأول الرئيس عون إقناعه بالتخلّي عن الحريري وإعلامه برفضه إياه منذ “طعنه في الظهر” يوم استقال من دون إعلامه بنيته مسبقاً بعد اندلاع “ثورة تشرين 2019”. في تلك المحاولة أعرب عون عن تمسكه برئيس “حزب الحوار الوطني” ونائب بيروت فؤاد مخزومي رئيساً للحكومة الجديدة وأطلع قيادة “الحزب” على تشكيلتها المحتملة، كما تم تبادل أوراق بينهما تضمنت أسماء الوزراء المحتملين وذلك لإقناعها بخياره. لكن “الحزب” تمسّك برفضه مخزومي. وربما يكون لهذا الأمر دورٌ في دفع الرئيس عون ورئيس “تياره” النائب باسيل الى التصويب على بل الى استهداف شريك “الحزب” في “الثنائية الشيعية” رئيس “أمل” ومجلس النواب نبيه بري وحليفيه والحريري وجنبلاط.

في أي حال يشعر عون وباسيل اليوم بالحاجة أكثر من أي وقت مضى الى حليفهما الشيعي “حزب الله”، إذ يعرفان أن استمرارهما في مناكفته بالتقرّب من أميركا وبالإصرار على “إنهاء” الحريري وبتحميله مسؤولية “تعطيل بناء الدولة”، علماً أنهما لم يتذكرا هذا الأمر إلا أخيراً. إذ كانا منشغلين بتحقيق طموحاتهما السياسية الكبيرة والمكاسب المتنوّعة.
ويشعر “الحزب” في الوقت نفسه بالحاجة الى استمرار تحالفه مع “المسيحي القوي” رغم الوهن الذي أصابه ورغم بحثه عن مخارج له مع الخارج المعادي لـ”الحزب”. إذ أن المرحلة الراهنة بالغة الصعوبة. لكنه في الوقت نفسه سيكون حازماً وصارماً مع حلفائه كلّهم كما مع منافسيه وأخصامه وأعدائه، وسيقوم بكل ما يستطيع من أجل منع تكوّن تحالف وطني عابر للطوائف والمذاهب ضده. علماً أن قيام حلف كهذا يقرب من المستحيل، ولا سيما في ظل الفوضى والسخط الشعبيين جرّاء انهيار الاقتصاد والليرة والمصارف ومصرف لبنان والفساد وتحوّل الدولة فاشلة. وعلماً أيضاً أن “حزب الله” نجح في “اختراق” الشوارع اللبنانية كلّها، ويستطيع توجيه تحركاتها من بعيد بحيث يعطّل خطط أعدائه وأخصامه و”الحلفاء الألداء”.