الحريري لن يتراجع… هل يتّعظ باسيل؟

سابين عويس – النهار

لم يكن السجال المشتعل أمس على خط بيت الوسط ـ الرابية وحارة حريك، إلا مسماراً جديداً يغرز في نعش حكومة لم ولن يُكتب لها أن تبصر النور. ذلك أن المسار الذي سلكه التخاطب السياسي بين الرئيس المكلف تأليف الحكومة ورئيس “التيار الوطني” جبران باسيل و”حزب الله” أكد بما لا يقبل الشك أن آفاق التأليف لا تزال مقفلة في تمازج جلي بين الأبعاد الخارجية والحسابات الداخلية للقوى المحلية. كما بات جلياً للخارج قبل الداخل، ولا سيما للدول العاملة على خط الأزمة اللبنانية، أن العقد الموضوعة أمام التأليف ليست إلا مطية تخفي الأبعاد الحقيقية للصراع القائم، وهو صراع على مستقبل البلاد ونظامه السياسي، وعلى الاستحقاقات التي ستحدد هذا المستقبل وهذا النظام، بدءاً من رئاسة الجمهورية التي فُتحت معركتها على مصراعيها بين القوى المسيحية، وصولاً إلى الدستور الموضوع على مقصلة الإسقاط مع ما سيرتبه من استئصال لصلاحيات الرئاسة الثالثة.




وقد بدأ يتبلور الفهم الخارجي لطبيعة الصراع القائم بين القوى الداخلية، بأنه ليس صراعاً مسيحياً- سنياً، كما جرى تظهيره أخيراً على خلفية الكباش الحاصل بين رئيسَي الجمهورية والحكومة المكلف، بل هو صراع على السلطة وعلى تحقيق المكاسب الشخصية، ولو على حساب البلد. علماً أن باريس التي قادت مبادرة إنقاذية غداة انفجار بيروت قد وقعت ضحية هذا الانطباع، بحيث تبنت في شكل ضمني تمسك رئيس الجمهورية بحصة وازنة تمنحه القدرة على التعطيل، ولو على حساب تنازل الرئيس المكلف المتمسك والملتزم بمندرجات المبادرة الفرنسية. انطباع ما لبث أن تراجع، بعدما تجلى أنّ أي تنازل للحريري سيؤدي إلى انهيار الخط السنّي المعتدل. وهو انطباع ساهم في تعزيزه عن غير قصد رئيس التيار العوني من خلال تصويبه على الحريري وعلى الحقوق المسيحية المهدورة بسبب احتكاره تمثيل المسيحيين.

في معلومات تسربت عن خلفيات البيان المشترك الصادر قبل فترة عن وزيري خارجية الولايات المتحدة الأميركية وفرنسا بعد أيام قليلة على تسلم الادارة الأميركية الجديدة مهماتها، ما يعزز هذا الانطباع ويقود إليه. فبحسب معلومات فرنسية ترددت أن البيان هدف إلى مخاطبة التيار الوطني الحر ورئيسه تحديداً للتأكيد على أن موقفَي الدولتين الأكبر والفاعل في الملف اللبناني متطابقان حول كيفية الخروج من الأزمة ومنع المحاولات الجارية لكسب الوقت، وقد أعطيت التوجيهات لإدارتَي البلدين الممسكتين بهذا الملف من أجل الضغط على باسيل، ووقف عملية الاستدراج الجارية التي من شأنها أن تفجر الاحتقان الطائفي وتجر البلد إلى أماكن خطيرة غير محسوبة المخاطر والنتائج.

من هنا، يبرز الدعم العربي للحريري من خلال دولتَي مصر والإمارات العربية المتحدة التي باستقبالها للحريري وتقديمها الدعم له، تبرز تمايزاً عن الموقف السعودي المتشدد حيال الزعيم السني الاول في لبنان. علماً أن لمراقبين مطلعين على الموقف الإماراتي والسعودي رأياً يخالف الرأي القائل بعملية تبادل أدوار، وفيه أن أبو ظبي تسجل تمايزاً عن موقف الرياض، من دون أن يبلغ هذا التمايز مستوى استفزاز المملكة. وهذا ما يفسر الانخراط المصري الإماراتي بدعم الحريري وعدم القبول باستفراده داخلياً وإحراجه وعزله تمهيداً لإخراجه. ويتقاطع هذا الانخراط مع انخراط فرنسي مماثل، بعدما كانت باريس تجهد للضغط على الحريري للتنازل لحسابات مسيحية ومن أجل إنجاح المبادرة الفرنسية.

المحور العربي- الفرنسي يتقاطع داخلياً مع محاولات لإحياء وتعزيز حلف ثلاثي قائم بين الحريري والزعيم الدرزي وليد جنبلاط والركن الثاني في الثنائي الشيعي نبيه بري، فيما يغيب العنصر المسيحي عن هكذا حلف بسبب حسابات خاصة لرئيس حزب “القوات اللبنانية”، تتصل بالمعركة المسيحية المفتوحة مع التيار البرتقالي على الاستحقاق الرئاسي.

في هذا المناخ، تبقى السعودية خارج المشهد بقرار منها لم يخرج بعد من المنطقة الرمادية حيال لبنان أولاً والحريري ثانياً. الأمر الذي يعطي فريق العهد الذريعة المثلى لتحميل الرجل مسؤولية تعطيل الحكومة في انتظار أن تفتح المملكة أبوابها له، وذلك إدراكاً من هذا الفريق أن هذا الأمر ليس بقريب!