لبنان في بازار المساومات بين الولايات المتحدة وإيران

وجه رئيس الوزراء اللبناني المكلف سعد الحريري اتهامات لحزب الله بالسعي لإطالة أزمة التشكيل الحكومي، بانتظار اتضاح مآلات الأمور بالنسبة إلى الملف النووي الإيراني. وشدد الحريري على أن موقفه من التشكيل نابع من قناعة ذاتية، وليس رهين موقف أطراف خارجية كما يحاول حزب الله الإيحاء بذلك مؤخرا.

وهذه المرة الأولى التي يهاجم فيها الحريري حزب الله ويحمله جانبا من المسؤولية عن التعطيل الجاري على مستوى تشكيل حكومة لبنانية جديدة، حيث كان رئيس الوزراء المكلف وزعيم تيار المستقبل يتجنب الإشارة إلى الحزب، حاصرا الأزمة في موقف الرئيس عون وظهيره السياسي التيار الوطني الحر.




وتقول مصادر مقربة من زعيم المستقبل إن الحريري كان يتجنب الخوض في أي سجال مع حزب الله رغم إدراكه بأن الأخير لا يرغب في تسوية الأزمة الحكومية في الوقت الحاضر لأسباب تتعلق بداعمته إيران، لكن المغالطات التي نشرتها صحيفة الأخبار، والتي سبقتها مزاعم لنائب الأمين العام للحزب بشأن ارتباط موقف الحريري بإرضاء السعودية، دفعت الأخير إلى الرد.

وتشير المصادر إلى أن إيران تحاول اليوم توظيف جميع أوراقها في المنطقة في سياق تحسين موقفها التفاوضي مع الولايات المتحدة وباقي القوى الدولية بشأن الملف النووي، من بين هذه الأوراق لبنان والتشكيل الحكومي، ويحاول حزب الله التغطية على الأمر بتحميل الحريري مسؤولية التعطيل.

وجاء موقف رئيس الوزراء المكلف المهاجم لحزب الله على خلفية ما نشرته صحيفة “الأخبار” بأن الحريري رفض عرضا قدمه الرئيس عون عبر مدير الأمن العام اللبناني اللواء عباس إبراهيم، وهو أن يكتفي عون بتسمية خمسة وزراء، بالإضافة إلى وزير الطاشناق في حكومة مؤلفة من 18 وزيرا، مع الحصول على حقيبة الداخلية، على أن يمتنع رئيس التيار الوطني الحر النائب جبران باسيل عن منح الثقة للحكومة.

وزعمت الصحيفة القريبة من حزب الله أن من الأسباب التي دفعت الحريري إلى رفض العرض هو انتظار ضوء أخضر سعودي “لم يأت بعد”.

وقال المكتب الإعلامي للحريري في بيان الخميس إن “رئيس الوزراء لم يتلق أي كلام رسمي من الرئيس عون في هذا الصدد، ما يوحي بأن من يقف خلف تسريب مثل هذه المعلومات إنما يهدف فقط إلى نقل مسؤولية التعطيل من الرئيس عون والنائب باسيل إلى الحريري”.

وأشار البيان إلى أن “الحريري، على عكس حزب الله المنتظر دائما قراره من إيران، لا ينتظر رضا أي طرف خارجي لتشكيل الحكومة، لا السعودية ولا غيرها، إنما ينتظر موافقة الرئيس عون على تشكيلة حكومة الاختصاصيين، مع التعديلات التي اقترحها الرئيس الحريري علنا في خطابه المنقول مباشرة على الهواء في 14 فبراير الماضي، وليس عبر تسريبات صحافية ملغومة كما يبدو الحال اليوم”.

إيران تحاول توظيف جميع أوراقها في المنطقة لتحسين موقعها التفاوضي مع الولايات المتحدة وباقي القوى الدولية

وأوضح أن “تطابق هذا التفسير الذي تسوقه الصحيفة لرفض مزعوم من الرئيس الحريري مع كلام نائب الأمين العام لحزب الله الشيخ نعيم قاسم في حديثه التلفزيوني ووروده في صحيفة الأخبار تحديدا الخميس، يعزز الشعور بأن الحزب من بين الأطراف المشاركة في محاولة رمي كرة المسؤولية على الرئيس الحريري، لا بل يناور لإطالة مدة الفراغ الحكومي بانتظار أن تبدأ إيران تفاوضها مع الإدارة الأميركية الجديدة، ممسكة باستقرار لبنان كورقة من أوراق هذا التفاوض”.

وأكد المكتب أن “أي طرف، لا اللواء إبراهيم ولا غيره، لم يبلغ الرئيس الحريري بأنه مكلف من رئيس الجمهورية رسميا بنقل عرض له”، مشددا على التزام الحريري بالمواصفات الحكومية التي انطلق منها منذ اللحظة الأولى للتكليف، سواء بالنسبة إلى العدد أو بالنسبة إلى معيار الاختصاص غير الحزبي، وفق المبادرة الفرنسية.

وكان نائب الأمين العام في حزب الله قاسم قال في تصريحات صحافية لقناة “الميادين” اللبنانية إنه “إذا اتّفق رئيس الجمهورية عون مع رئيس الحكومة المُكلَّف الحريري تؤلَّف الحكومة فورا، والمخرج الحكومي بأن يحرّك الحريري مسألة عدد الوزراء ويقبل رئيس الجمهورية عدم وجود الثلث المعطّل”.

ورأى قاسم أنّ “الحريري لم يصدّق أنه أصبح رئيس حكومة، والصلاحيات معه حتى لو لم تتشكل الحكومة إلى آخر العهد، بالتالي أنا لا أعتقد أنه سيعتذر”، قائلا “نحن لا نطلب أن يعتذر الحريري ونحن رحّبنا بمجيئه وأن يشكّل هو الحكومة هذا أمر مفيد للبنان”.

وزعم نائب الأمين العام لحزب الله أنه “إذا أضاء الرئيس الحريري أصابعه العشرة للسعودية فلن تقبل به ولن توافق على حكومة فيها حزب الله أو لا”، لافتا إلى أن “المطلوب سعوديا لا يتحمّله لا الحريري ولا غيره وهو مواجهة حزب الله”.

ويشهد لبنان أزمة حكومية منذ أغسطس الماضي بعد استقالة حكومة حسان دياب في السادس من ذلك الشهر على خلفية انفجار مرفأ بيروت المدمر الذي تسبب في مقتل أكثر من 200 شخص وإصابة أكثر من 6500 بجروح، فضلا عما ألحقه من دمار بجزء من العاصمة اللبنانية.

وبعد انفجار المرفأ، كان الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون زار لبنان مرتين. وأعلن في الزيارة الثانية في سبتمبر مبادرة قال إن كل القوى السياسية أجمعت عليها، ونصت على تشكيل حكومة خلال أسبوعين (في حينها) تتولى الإصلاح في مقابل الحصول على دعم مالي.

وتملصت معظم القوى السياسية لاسيما أقطاب العهد من تعهداتها، ولم تسفر مساعي زعيم تيار المستقبل الحريري الذي كلف في 22 أكتوبر بتشكيل حكومة، عن أي نتيجة، حيث يصر الرئيس عون مدعوما من حليفه حزب الله على طرح شروط بدت تعجيزية للحريري.