الاحتجاجات حق … لكن احذروا “الاشباح”

علي حمادة – النهار

لم يتأخر “حزب الله” في إنزال جماعاته في اكثر من منطقة، لاختراق الحالة الاحتجاجية العفوية التي اشتعلت على خلفية وصول سعر صرف الدولار الى عتبة العشرة آلاف ليرة، فقامت جماعات ما عادت تخفي انتماءها الى “الثنائي الشيعي” الذي يقوده “حزب الله”، ليس في المناطق المحسوبة على البيئة الحاضنة للحزب فحسب، بل في العديد من المناطق التي سبق للحزب ان اخترقها عبر تشكيل العصابات المسمّاة “سرايا المقاومة”، وهي عمليا مجموعات منتشرة في بيئات ومناطق عدة، وتأتمر بجهاز أمن “حزب الله”، وقد عملت بقوة خلال “ثورة 17 تشرين” لإجهاضها، وتحويلها عن مسارها الإبداعي، السلمي، والمطلبي، نحو مسارات العنف التخريبي، بما أبعد شرائح الطبقة الوسطى عن الشارع، بعدما تميزت “ثورة 17 تشرين” بكونها احدى اهم المحطات الاحتجاجية في تاريخ لبنان من حيث انعتاقها من التبعيات الطائفية والمناطقية والطبقية والحزبية، وكونها جاءت شاملة على المستوى الاجتماعي والقطاعي الى أبعد الدرجات. وحده “حزب الله” بما تمثله طبيعته الفاشيستية، الأمنية، والمذهبية، التي تلعب على الدوام على وتر الترهيب والإرهاب، وإشاعة التفرقة بين اللبنانيين على الطريقة التي كانت معتمدة أيام الاحتلال السوري، وحده ناصب الثورة العداء، وعمل على اجهاضها بتواطؤ واضح مع مؤسسات الدولة المدنية والعسكرية والأمنية، فضلاً عن عدد من القوى السياسية الرئيسية في السلطة التي تكالبت كلها لدفن الحالة الاحتجاجية تحت أقدام الرعاع الذين كانوا يُستخدَمون من الحزب، والأجهزة المتنوعة العاملة لحساب الحزب المهيمن على الساحة.




بالأمس أيضا لمس المراقبون يداً لـ”حزب الله”، ولعدد من الأجهزة الأمنية في الاحتجاجات التي لا يمكن إلا التعاطف معها مبدئيا، لان الحالة التي وصلت اليها البلاد ما عاد في الإمكان السكوت عنها، حتى لو كان السبب صعود سعر صرف الدولار غير البريء، بضعة أيام بعد أهم حدث سياسي منذ سنوات يشهده لبنان، عبّر عنه البطريرك الماروني بشارة الراعي، خلال اللقاء الشعبي في بكركي، مرسخاً “سلاح الموقف” ضد “قوة السلاح” للمرة الأولى منذ التسوية الرئاسية المشؤومة، طارحاً من جديد الإشكالية التي لا مناص من طرحها، عنينا السلاح غير الشرعي، وسيطرة الدويلة على الدولة، والحالة الانقلابية على الدستور التي تتعاظم باستمرار منذ انتخاب الجنرال ميشال عون رئيساً بقوة بندقية “حزب الله” وبتواطؤ المتواطئين، والمستسلمين على حد سواء.

بالأمس خرج الناس الى الشارع، وحقّهم ان يخرجوا كل يوم في مواجهة هذا الظلم الكبير اللاحق بهم، وفي مواجهة هذه الطغمة الحاكمة، في السياسة، والامن، والعسكر والمال. ولكننا لا نريد لهذه الحالة الاحتجاجية ان تُخترق في كل مرة تتحرر فيها من الحالة الشاذة القائمة. فـ”ثورة 17 تشرين” فشلت لانها اختُرقت، وفشلت لانها عجزت عن طرح أساس الازمة الناجم عن غياب سيادة الدولة تزامناً مع تفشي الفساد، وفشلت أيضا وأيضا عندما تآمرت ضدها مؤسسات امنية وعسكرية كان يفترض فيها ان تحمل اوجاع الناس على ظهرها، وان ترفد الثورة بحمايتها.

إننا نؤيد كل أشكال الاحتجاج ضد ما نعيشه في لبنان من ذل واذلال. ولكننا نحذر من خطورة العمل الأمني الذي يقوم به “الاشباح” العاملون تحت راية “الغرف السوداء” إياها.