سمير عطا الله

الخوف من الخيال ومن التخيُّل – سمير عطالله – النهار

لقد اصبحنا مثل جمهوريات الخوف. الخوف من كل شيء. من جهنم، ومن #الحرب الأهلية التي يتحدث عنها سياسيو الزمان وكأنهم يعدوننا بالجنة، ومن #البطالة التي لا ينفع فيها سلاح، ومن #الفقر الكاسر مثل اعصار أو تنين، ومن #سعر الليرة مقابل عملات الدول التي تحلم بالهجرة إليها. ومن آخر الشهر، أو أوله. ومن البنوك. ومن الأوبئة. ومن السفر الى الكونغو من اجل العثور على البانادول. ومن موعد نشرة الأخبار. ومن “ملحق” الأخبار بلا موعد. ومن اسعار البقالة. ومن المضاربة في سوق السردين والتونة. ومن سمعتنا بين الشعوب. ومن فقدان جميع المراتب، إلا مرتبة الفساد. ومن ان نجد انفسنا بلا منافس في عالم الانهيار والفشل والاكاذيب. ومن منع اغنية وديع الصافي “لبنان يا قطعة سما”. ومن ان يباع ما تبقى من قطعة بالقطعة. ومن ان يبكّر المسيح الدجال في الظهور. ومن نوعية الحكومة المقبلة. ومن ان تأتي النوعية وتبقى الحكومة في دائرة التفاهة الرقمية والخوف على الأمن الذي قال الرئيس ميشال عون، بداية عهده، “جبناه للبلد”. الخوف من البواخر محملة فيولاً فاسداً، أو “نيترات بكامل قدرتها”. الخوف من ان يعود العدّ، ليس بين المواطنين، بل بين الوزراء، ثم أن يتوقف وتقف معه الحياة عند الرقم 19 بدل 18 و21 بدل 20. و RIEN NE VA PLUS.

منذ سنوات طويلة يتصل بي صديق حبيب، بادئاً المكالمة بلازمة لطيفة لا تتغير: كيف حال الدنيا عندكم؟ والاجابة دائماً ملاطفة، مهما كان الحال والمحال: الحمد لله. لكن بعد 4 آب لم يعد الجواب كافياً. ولذا، كان جوابي امس، أن الدنيا تدور في كل مكان، إلا على خط الطول والعرض هنا. الدنيا تدور وتميل على حافة القطب، وهنا واقفة. هنا مسكرة. هنا الدنيا مجمّدة على قفاها، وكل شيء آخر يتحرك في ارجاء العالم.




واقول للصديق الحبيب: هل تدري اين هو المضحك في الأمر؟ ان الناس تتمنى وتتضرع ان تدور بنا الدنيا الى الخلف. لقد اصبح ماضينا وراءنا، ومستقبلنا ايضاً. بعد مقالة الاسبوع الماضي عن الشبه بيننا وبين تونس، علّق البعض بأن في ذلك ظلماً لتونس.

روى الدكتور كرم كرم انه كان مرة في زيارة الحبيب بورقيبة ضمن وفد جامعي، عندما سرت في القصر الجمهوري ضجة وجرى همس لفترة قصيرة، وبعدها عاد الهدوء. وعرف المشاركون في ما بعد ان الرئيس اُبلِغ بأن الدرك اوقفوا سيارة التونسية الأولى، بسبب السرعة. وعندما تبيّن لرئيس الدورية ان صاحبة السيارة هي وسيلة بن عمار، ادّى التحية. واعتذرت الوسيلة بداعي أنها ذاهبة الى المطار. فاعتذر هو بدوره عن انه مضطر الى كتابة محضر ضبط، لأن موقعها لا يجعلها فوق القانون. وعندما اُبلِغ بورقيبة بالأمر طلب الترقية الفورية للرجل.

كيف حال الدنيا عندنا؟ هل حقاً لا تعرف؟ الدنيا كلها تعرف وتتمنى لو انها لا تعرف. نحن في دائرة التعاسة، وكل الابواب والطرق والنوافذ مغلقة. كم جميل كان الأمس. هل تصدق ان الناس تتشهى، في صوت عال، “ايام الحرب”، وتتمنى ان تعود بنا الدنيا الى ايام السكينة والكفاية والهناء؟ هل اخبرك أننا بلد من الكرتون؟ لا. ليس بالمعنى الرمزي. كرتون ملء عين الزمن. كيفما تلفتَّ ترى كراتين المساعدات. والأقل حظاً تراهم في اكياس البلاستيك. والذين كانت نفوسهم تأبى قبول المساعدات في بيوتهم، صاروا يصطفّون في الطوابير لتسلّمها. هل تريد أن أصف لك اية مشاعر يثيرها في النفوس مشهد الطوابير، أو أن اخبرك بأن أجر الحد الادنى نزل من 450 دولارا الى سبعين؟ والحكومة تعرض، بكل نبل وسخاء، ان تشارك الناس في اوجاعهم. أيّ سمو اخلاقي اكثر سمواً من هذا الشعور بالمسؤولية، والمشاركة في الاوجاع؟

والناس تخاف صدور بيان جديد، ينفي، أو يؤكد، او لا ينفي ولا يؤكد. و”يكزبر” الابدان من سماع كلمة بيان، أو كلمة تصريح، أو مؤتمر صحافي يعقد امام المرآة الرقمية. المرايا تكسرت، المرايا فقدت هي ايضاً طاقة الاحتمال.

في الماضي كان كذبنا ظريفاً. قليل من الملح والبهار على طريقة خير هذا بشرّ ذاك وإذا الله قد عفا. ما اجمله، العفو. وفي الحديث، أن النبي سُئل، هل هناك ما هو اعظم من العدل؟ فقال، اجل، العفو. وما افظع واكره الانقسام والخوف. ليس الخوف من الاحتلال الاسرائيلي، ولا الخوف من عجرفة الفدائيين، ولا من حواجز الجيش السوري. وإنما الخوف من البطالة والفقر وذلّهما. لا شيء مثلهما يقرض القيم والمجتمع والكرامات. نحن الآن شعب خائف وحزين. فقدنا موهبة الفطنة الساخرة، امام “المرقعة” السمجة. من زمن جورج نقاش وسعيد فريحة وعمر الزعني ورشدي المعلوف ومارون عبود، الى زمن عدمية اللمعة والابتسامة وخفة الظل.

كم كان سعيداً ان يكون المرء لبنانياً. في عز الحرب بعنا الجنسيات، وفي ذروة الشؤم ما زلنا نبيعها. وبالدولار، وبالتقسيط. لكن الخوف يدهمنا من أننا فقدنا هذه ايضاً. أي كل حسنات الماضي. كيف حال الدنيا عندكم؟ مثلها في كل الاقليم، وفي زمن الوباء والعدوى والجوائح. هذا زمن كل الازمان معاً. ليس الزمن الرديء الذي يرد ذكره في النواح، بل الزمن الأكثر رداءة الذي يخرج من المقارنات الى القياسات. الى سجلات غينيس ومراثي ارميا. زمن توراتي تتقدمه فرقة “النوبة” وصناجاتها. فوق جثث 4 آب ودموعها، طافت جثة العدالة مربوطة بحجر الرحى، عقاب الغرق الأخير.

الأسوأ من الزمن الرديء هو الضمير الرديء. الضمير العاطل، يسميه الفرنسيون، أو الميت، في لغتنا. ولا يوقظه شيء. كان الرئيس سليمان فرنجية يقول “وطني دائماً على حق”. وهو شعار مشابه لفعل الايمان الوطني عند الانكليز: “خطأ أو صواب، إنه وطني”. أو للحظة الحقيقة بين يوضاس وبطرس. الخيانة بالرخص أو بالخوف. ونحن بلد خائفين. نخاف ان نفتح الجريدة، أو الإذاعة، أو التلفزيون، وليس فيها ما يفاجىء. ليس فيها مسرّة واحدة أو فأل واحد أو ابتسامة واحدة. ونخاف ان نفتح النافذة لكي لا نسمع رأي جارنا “بالوضع”، ووصف جارتنا “للأوضاع”. واختها. وامها. ومَن يليهما.

الخوف شلل عام. الخائف لا يفكر، ولا يقرر، ولا يحلم إلا بالهرب مما هو فيه. وفي النهاية يهرب من ظله لأنه يصبح عبئاً عليه. والاوطان لا تقوم لها قيامة عندما يطاردها ظلها يسائلها اين الغد، واين المستقبل، واين حلاوة الحاضر، واين التقاعد الذي يشتري منزلاً ولم يعد يكفي لشراء مشاية، واين المشاريع وأين الاعراس، و”ماذا فعلت بالوردة… ماذا فعلت بالذهب”.