الياس خوري - القدس العربي

اللعبة انتهت – الياس خوري – القدس العربي

كان يوم السبت 27 شباط-فبراير 2021، مسرحاً لحدثين متزامنين يحملان دلالات متناقضة ومتكاملة في آن معاً.
والحدثان يختلفان من حيث الحجم، إذ لا يمكن مقارنة الحجم الشعبي الذي احتشد في بكركي واستمع إلى كلمة البطريرك الماروني، بالحجم المتواضع الذي اتخذته انتخابات نقابية قطاعية، هي انتخابات رابطة أساتذة الجامعة اللبنانية.
اختلاف الحجم لا يقلل بالضرورة من دلالات الحدثين.
في بكركي حشد جماهيري مسيحي، له ثلاثة أهداف:
تحجيم التيار العوني-الباسلي، وكشف إفلاسه السياسي في قيادة الدولة.
التعبئة ضد سلاح حزب الله، ورفض وجود جيشين ودولتين على الأراضي اللبنانية.
رمي كرة أزمة الحكم اللبنانية في ملعب القوى الدولية التي كان لها الفضل الأول في تأسيس المرحلتين المفصليتين لتكوّن الكيان اللبناني: متصرفية لبنان الصغير في القرن التاسع عشر، وجمهورية لبنان الكبير في القرن العشرين.
حشد بكركي كان إعلاناً للانقسام بين المكونات الطائفية للطبقة الحاكمة. هناك اليوم تكتل مسيحي كبير، بل يمكننا القول إنه الكتلة الأكبر بين المسيحيين، قرر فك التحالف الماروني- الشيعي، الذي أبرمه التيار العوني مع حزب الله، وقاد لبنان إلى التحول إلى جزء غير مستقر من المحور الإيراني في المنطقة.
من ناحية ثانية، فقد كان الحشد إعلاناً بأن الطبقة الحاكمة في أزمة مستعصية لم تعد قادرة على حلها، فجاءت فكرة الحياد ومعها الدعوة إلى المؤتمر الدولي برعاية الأمم المتحدة.
أما في الجامعة اللبنانية، فقد جرت انتخابات رابطة الأساتذة المتفرغين التي تنافست فيها لائحتان:
لائحة أحزاب السلطة، وهي لائحة بتراء، شارك فيها الثنائي الشيعي والمستقبل والحزب الاشتراكي. وكان العونيون قد أعلنوا انسحابهم من المعركة لأن اللائحة ليست ميثاقية، كما أن القوات اللبنانية أعلنت أنها لن تشارك في الانتخابات لأنها ترفض التحالف مع ما يطلقون عليه اسم «المنظومة الحاكمة».
ولائحة من المستقلين الذين يحملون بعض نبض انتفاضة 17 تشرين. مع انسحاب العونيين وإعلان القواتيين رفضهم المشاركة في الانتخابات، بدا وكأن الأمور قد مالت لمصلحة المستقلين. ولكن حدثت مفاجأة اللحظة الأخيرة، إذ هرّب عدد كبير من العونيين والقواتينن أصواتهم، من تحت الطاولة، لمصلحة لائحة «المنظومة» فبأصواتهم فازت السلطة على الأساتذة.
لا جديد حتى الآن، لأن هذا ما حدث في جميع الانتخابات المهنية والطلابية، تتحالف الأحزاب الطائفية ضد أي تعبير نقابي يمثل المصالح الاجتماعية.
العلاقة بين هذين الحدثين المتزامنين والمتناقضين واضحة ومعقدة:واضحة، لأنها تؤكد المؤكد، وهي أن القوى الطائفية الممسكة بخناق السلطة لن تسمح لقوى التغيير بإزاحتها من مواقعها، مهما كان الثمن.
ومعقدة لأنها تكشف عن تكالب هذه القوى على السلطة وتناقضات المصالح بين أطرافها، التي أوصلت لبنان إلى الانهيار، وتريد أن تدفع به إلى ما يشبه الحرب الأهلية.
تعالوا نحلل مضمون خطاب البطريرك، الذي جاء رداً غير مباشر على خطاب أمين عام حزب الله الذي حذر فيه من الحياد ومن المؤتمر الدولي.
البطريرك والسيد رميا الأزمة في الملعب الخارجي، لأنهما يعتقدان أنه ملعبهما للتهرب من وضع نقاط الانهيار على حروف الطبقة المهيمنة. منذ الأيام الأولى لانطلاق انتفاضة 17 تشرين الشعبية، اتهم السيد نصرالله قوى الانتفاضة بالعمالة للخارح، ورفض أن يرى أن النظام دخل أزمة احتضاره. فتلخيص الإفلاس اللبناني بالحصارالأمريكي وحده يحجب حقيقة أن الطبقة الأوليغارشية الحاكمة، بمكوناتها الطائفية المختلفة، تصرفت كما تتصرف المافيات ونهبت الدولة والناس، وأوصلتنا إلى حضيض المجاعة.
أما البطريرك الذي سبق له وأن دافع عن رياض سلامة لأسباب قيل إنها طائفية، وحمى أصحاب المصارف بحجة الدفاع عن النظام الاقتصادي الحر، فإن جوهر كلامه يحيل الأزمة إلى الصراعات الإقليمية المحيطة بلبنان، ولذا يقترح حلاً دولياً لإنقاذ لبنان من نفسه.
في غمرة هذا الاستقطاب القديم الجديد، نتذكر المقولة الشهيرة التي أطلقها غسان تويني: «حروب الآخرين» وكأن القوى اللبنانية المختلفة التي خاضت الحرب ليست مسؤولة عن الكارثة التي أوصلتنا إليها. ولأنها حرب الآخرين، فعلى هؤلاء الآخرين مسؤولية إيجاد حل لها.هذا الافتراض نجح عام 1958 وفي اتفاق الطائف 1989. أما اليوم، فماذا يستطيع الآخرون أن يفعلوا، بعدما نجحت الطبقة الحاكمة في إزاحة المبادرة الفرنسية، ووأد كل مشاريع إنقاذ النظام لأنها تتعارض مع منطق النهب السائد.
تعالوا نقرأ المسألة بطريقة مختلفة، فقد اتهمت انتفاضة 17 تشرين بأنها حصرت الموضوع في الجانب الاقتصادي الاجتماعي، ولم تتنبه إلى دور سلاح حزب الله وارتباطاته الإيرانية في الأزمة.
ما فات هذا النقد هو أن السلاح يحمى النظام، والنظام يغطّى السلاح.هذه المعادلة التي أرسيت في ظل الهيمنة السورية لم تعد ممكنة اليوم وسط اشتعال التناقضات الإقليمية من جهة، والإفلاس الاقتصادي الشامل الذي صنعته طبقة اللصوص الحاكمة، من جهة ثانية.لم يعد الفصل ممكناً بين هذين الوجهين، وكل محاولة لتغليب الوجه الإقليمي وحده، لن تكون سوى محاولة انتحارية من قبل الطبقة المهيمنة لإنقاذ نفسها من نهايتها الحتمية.
يستطيع الضجيج الطائفي أن يسرق الأضواء وعدسات التلفزيونات للحظة، لكنه لن يستطيع أن يحل أزمة الليرة والكهرباء والبنزين واللقاحات وانهيار القطاع الطبي وإلى آخره.
هذا هو الموضوع الذي يهربون منه إلى شبح الحرب الأهلية.
قد يكون خطاب البطريرك محاولة لاستعادة زمن مضى وصل إلى ذروته في هبة 14 آذار- مارس 2005، التي قادت إلى الخروج العسكري السوري من لبنان، لكن أين لبنان اليوم من ذلك الزمن؟
فقر وجوع وهجرة وبهدلة يومية وموت.
الشحن الطائفي لا يطعم خبزاً، إذ ليس بالانتماء الطائفي يحيا الإنسان. هذا ما يعيشه اللبنانيات واللبنانيون في يوميات الذل والمهانة، المفروضتين عليهم.
لذلك، فإن على من يعتقد أن الحل يكمن في إخراج لبنان من عاصفة التحالفات الإقليمية، أن يعي بأن حل الأزمة ووقف الانهيار مستحيلان في ظل حكم طبقة اللصوص، مهما كانت أشكال التوازن بين أطرافها.
ألا يعي البطريرك أن السلاح الذي يشكو منه هو من يحمي اليوم الطبقة التي يتكلم باسم إحدى فئاتها؟
وقائع انتخابات الأساتذة التي تبدو معقدة وعصية على التصديق، هي في الواقع تعبير عن معادلة ساذجة وبسيطة.
يحتمون ببعضهم من الناس، ويتقاتلون فيما بينهم على نهب المنهوب.
الطبقة العاجزة عن الحكم تلجأ إلى الخارج كي تهرب من الداخل، زعماء القبائل الطائفية يتوحدون ضد الشعب، ويختلفون في توزيع الحصص وفي تحالفات خارجية يعتقدون أنها تحمي مصالحهم.
لكنهم واهمون.
واهمون لأنهم أفلسوا ولا يمكن لأي خارج أن ينقذهم من أنفسهم ويحافظ على سلطتهم.
وواهمون أيضاً لأن اللبنانيات واللبنانيين لن يكونوا الخروف الذي يذهب بقدميه إلى مسالخ حروبهم.
أعتذر لأنني لم أشارك في مهرجان بكركي، كما أنني لا أستطيع أن لا أرى في المحور الإيراني طابعه الطائفي الذي يساهم في تمزيق النسيج الاجتماعي ويحمي سلطة المافيا.
فهذه اللعبة انتهت.