غسان الحجار - النهار

اللبنانيون يتحوّلون شعبين في بلد واحد – غسان حجار – النهار

كان الرئيس السوري الراحل حافظ الاسد عندما يتحدث عن لبنان وسوريا تحلو له عبارة “شعب واحد في بلدين”. واليوم يمكن أيّ مراقب ان يشير الى شعبين في بلد واحد هو لبنان، يتعايشان قسراً، وقد تباعدت رؤاهما، واساليب عيشهما، وانماط تفكيرهما. لا يهم الكلام عن 8 اذار و14 اذار، فهذان التجمعان صارا من الماضي، لكن ما هو قائم بات اخطر بكثير من الشرخ السياسي لأنه تعمَّق ليأخذ أبعاداً تتجاوز الاختلاف في وجهات النظر.

وإذا كان “#حزب الله” متهماً بأنه أصل الداء حالياً، وقد بات حملاً ثقيلاً على حلفائه قبل خصومه، لانه رغم ما يشكله لهم الحامي والممول وموزع الاصوات الانتخابية، فانه ايضا بات يجلب لهم #العقوبات الدولية ويسبب لهم حصارا ويقيد تحركاتهم ويفرض عليهم ارادته والتحالفات الفوقية.




وبدل ان يهاجم “حزب الله” مباشرة او بالواسطة، البطريرك الماروني مار بشارة بطرس #الراعي، من خلال التحدث عن الشعبوية والمهرجانات الطفولية وملء الوقت الضائع، وتحريك تظاهرات سيّارة دعماً للسلاح من خارج الدولة، وبدل ان يطلق رئيس مجلس النواب نبيه بري العنان للمفتي الجعفري الممتاز الشيخ احمد قبلان موزعاً تهم الخيانة والشهادات بالوطنية، ويقف بري موقف المتفرج عليه، فيزيدان الشرخ والتباعد بخلاف ما يدّعيان، صار لزاماً على “الثنائي الشيعي” ان يعمل على التلاقي اكثر مع مواطنيه، وان يبحث في عمق الهوة التي باتت تفصله عن الآخرين.

ان طروحات البطريرك لم تولد من عبث، بل من واقع مأزوم، للسيد حسن نصرالله، والرئيس بري، حصة كبيرة فيه، تحالفاً بالرضى او بغيره، مع رئيس البلاد، وصهره رئيس “التيار الوطني الحر” جبران باسيل.

من حق البطريرك ان يطرح ما يراه مفيدا للبلد في كل وقت، وليس من حق “حزب الله” دعوته الى الامتناع عن زيارة الاراضي المقدسة، ثم قطع الحوار معه، كعقاب على قيامه بالزيارة، فينصِّب نفسه وصيّاً على البلاد، يأمر ويعاقب. وفي هذا “وصاية” ينفذها اهل الداخل، يجوز معها اتهامه بوراثة “الوصاية السورية”.

فـ”حزب الله”، الذي يملك حق عدم موافقة الراعي، لم ينجح الى اليوم في العمل السياسي الداخلي، على عكس ما حققه في مقاومة اسرائيل. وهذا ما يؤكده تباعده الحالي مع #بكركي التي امكنها السبت ان تنزع الغطاء عن حليف الحزب، اذ ظهر كأن البطريرك امسك الزعامة المسيحية السياسية، وساهم ضمناً في تعميق عزلة رئيس الجمهورية ومحاصرة تياره الذي قاطع اللقاء، وهو لم يكن ليفعل ذلك لولا تحالفه مع الحزب، وارتماء رئيس التيار في احضانه بعدما خسر الكثير من نقاط قوته.

كان امكن للحزب التفاوض “بالحسنى” مع سيد بكركي، خصوصا حول موضوع الحياد الذي طرحه الراعي منذ مدة طويلة، وكان امكن للحزب نقاش البطريرك حول دعوته الى مؤتمر دولي، والاعتراض عليه من ضمن الاختلاف في وجهات النظر، بعد تقريب هذه الوجهات الى الحد الادنى.

ما حصل في الايام الأخيرة يثبت عقم السياسة اللبنانية، ويزيد رغبة لبنانيين كثر في عقد مؤتمر دولي لانهم يئسوا من زعمائهم، فيما بات بعضهم يستقر على اقتناع بضرورة الفدرلة (الفيديرالية) بعدما أضحى الشرخ كبيرا، وما يمكن ان يحصل من ترقيع لاحق، يبقى ترقيعاً، ما لم يبدأ العمل على تطوير النظام بشكل جذري من دون محاولات انقلاب من منطلق القوة والعدد، لبلوغ دولة مدنية لم تتحدد هويتها بعد.