الفاتيكان في خطاب البطريرك… ورياح دولية لا يشتهيها “حزب الله”

 

أحمد عياش – النهار




ردود الفعل على كلام البطريرك الماروني لا تعكس الظروف الخارجية. فالسجال الداخلي ما بين مؤيد ورافض هو على حجم لبنان، لكن، ما لم يقل خارجياً هو الأهمّ ليس بالنسبة للبنان وإنما للمنطقة. ويحق لـ”#حزب الله” أن يقلق هذه المرة ويكلِّف مَن كلّف للرد على #بكركي. فما بدأ يظهر على مستوى الادارة الاميركية حيال الشرق الاوسط يشير إلى أن باب التحوّلات مفتوح على مصراعيه.

رداً على سؤال لـ”النهار” حول أهمية ما أدلى به البطريرك #الراعي السبت الماضي، قالت أوساط سياسية وثيقة الصلة بدوائر القرار في واشنطن إن المطلوب الآن التمعن في الظروف وليس في الكلام. ورأت أن ما شهده الصرح البطريركي من تحرّك شعبي، أتى في وقت قررت الادارة الاميركية الجديدة أن تبعث برسالة إلى طهران هي الاولى من نوعها. وتمثلت الرسالة بالغارة الجوية على مواقع ميليشيات تابعة لإيران في شرق سوريا. وإذا كان ظاهر الرسالة الرد على قصف الميليشيات قاعدةً لقوات التحالف في العراق، فإن باطنها يقول إن الادارة لن تمنح الجمهورية الاسلامية فترة سماح قبل بت مصير الاتفاق النووي معها.

وبحسب معطيات هذه الاوساط، فإن خط حوار بين واشنطن مع أوروبا لا سيما فرنسا وألمانيا وبريطانيا و#الفاتيكان بدأ العمل حديثاً. وهذا الخط أصابه عطل جسيم إبان أيام الادارة الاميركية السابقة. لكن الظروف تغيّرت اليوم وعادت الحرارة إلى هذا الخط ما سيترك بصماته على أكثر من صعيد من بينها لبنان. وأشارت إلى أن الصحافة على ضفتيّ الاطلسي، منذ كانون الثاني الماضي، ركزت على التغيير الذي تستعد له الولايات المتحدة الاميركية والقارة الاوروبية. كما ركّزت بشكل خاص على العلاقات بين الرئيس بايدن والبابا فرنسيس التي تتميز بجانب شخصي يمتد لأعوام.

في النص الذي تلاه البطريرك الراعي أمام الحشود في عطلة نهاية الاسبوع المنصرم: “لبنانُ الرسالة التي تحدث عنها من لبنان القديس البابا يوحنا بولس الثاني، وقداسة البابا فرنسيس الذي يولي قضية لبنان أهمّيةً خاصّةً وعبّر عن ذلك في رسالتين متتاليتين وفي اتصالاته مع الدول الصديقة لدعم لبنان وعدم توفير أي مسعى لبناني أو دولي لإنقاذه، فإلى قداسة البابا فرنسيس نوجه معًا تحيّةَ شكر ومحبة”. ودعت الاوساط نفسها إلى قراءة هذه الفقرة بتمعن للوقوف على دلالاتها. فهي تعني أن الفاتيكان حاضر في مواقف البطريرك وموافق عليه مسبقاً. كما تعني أن عاصمة الكثلكة في العالم قررت أن تستفيد من التغيير في واشنطن. وقد جاء الوقت ليعود لبنان إلى خريطة العلاقات بين الفاتيكان والبيت الابيض.

ربما يخيّل للبعض أن كلام الراعي انتهى مفعوله عندما جرى إدخاله إلى خانة السجال الداخلي، لكنّ هذا الظن بعيدٌ عن الواقع الاقليمي والدولي. ففي الأشهر المقبلة التي تمتد حتى الصيف، والتقدير هنا للأوساط السياسية، ستكون هناك محطة حاسمة في بت ملفات الشرق الاوسط. وأوضحت أن الكلام على أشهر يعني أن هناك تفهماً أميركياً للارتباك الحاصل حالياً في طهران قبل الانتخابات الرئاسية في حزيران المقبل. وقالت إن المحافظين الذين يستعدون للفوز بهذا الموقع، سيحصلون على ورقة لها مفعول داخلي فقط، فهم لن يحصلوا على تغيير في ميزان القوى في المنطقة. وهذا ما أكدته مبكراً الغارة الاميركية الأخيرة في شرق سوريا. كما أكدته الضربات الاسرائيلية التي اشتدت مجدداً على المواقع الإيرانية في دمشق.

في كلام البطريرك أيضاً معالم من تفكير خارجي حول مستقبل لبنان. فهو قال: “حرّرنا الأرضَ، فلنُحرِّر الدولة. فلنحررها من كلِّ ما يعيقُ سلطتَها وأداءَها. إنَّ عظمةَ حركاتِ التحرّرِ والمقاومةِ في العالمِ هي أن تصبَّ في كنفِ الدولةِ وشرعيّتها”. وتتوقف الاوساط السياسية عند عبارة “حررنا الأرض فلنحرر الدولة”، فرأت فيها توزاناً لا ينكر أهمية التضحيات التي بذلها “حزب الله” في مرحلة تحرير لبنان من الاحتلال الاسرائيلي. لكن هذه المرحلة انتهت في الانتصار الكبير عام 2000 عندما جرى تنفيذ القرار الدولي الرقم 425. إنما وبعد 21 عاماً تعرضت الدولة لاحتلال آخر من خلال الهيمنة التي فرضتها الوصاية السورية لغاية العام 2005. ومنذ ذلك العام وحتى اليوم ما زالت الدولة تحت الوصاية الإيرانية التي يفرضها “حزب الله”.

كيف تعامل “حزب الله” مع هذا التطور الداخلي؟ لم يلجأ الحزب إلى التجاهل كما كان يفعل سابقاً. وظهر ذلك في موقع “العهد” الإلكتروني التابع للحزب. ففي أحد تعليقاته قال: “هذه الطروحات سواء “الحياد” بأشكاله المختلفة أو “التدويل” ليست جديدة أو مستغربة، إلا أن الجديد فيها أنه أُعيد إطلاقها هذه المرة وتم تبنيها من البطريركية المارونية كحزمة واحدة، ما يوحي وكأن هناك تبدلاً ما أو رهاناً لدى بعض القوى على تحولات دولية قد تعيد إطلاق ديناميات جديدة على الساحة اللبنانية”.

كما قال في تعليق آخر: “لبنان أولًا لم يعد كما كان لقمة سائغة في فم ذئاب الوصاية الدولية، وما لم تستطع إسرائيل تحقيقه في حربها المدعومة كونيًا على لبنان بالحرب والدمار، لن تستطيع تحقيقه اليوم بدعوة لبنانية فئوية متسرّعة تفتقر إلى أدنى مقوّمات الإجماع من طائفتها نفسها، فكيف وقد ارتدت طابعًا طوائفيًا بشعارات حزبية عنصرية عدائية؟”.

وتحت عنوان “وحدها المقاومة هي مجد لبنان”، أورد موقع “حزب الله” الإلكتروني: “ردًّا على الشعارات التقسيمية الحزبية التي أهانت قسمًا كبيرًا من اللبنانيين في بكركي، أطلق ناشطون وسم #المقاومة_مجد_لبنان الذي تصدر الوسوم الأكثر تداولًا على تويتر”.
بعيداً عن شكل ما بدأ يحدث في لبنان منذ السبت الماضي، فإن مضمونه يقول: في كلام البطريرك رياح دولية لا يشتهيها “حزب الله”.