الراعي و”حزب الله” من التفهُّم المُتبادل إلى المواجهة؟

سركيس نعوم – النهار

يوم انتخب الأساقفة الموارنة زميلهم المطران #بشارة الراعي بطريركاً للطائفة المارونيّة في أنطاكية وسائر المشرق قبل سنوات عدّة شعر الأطراف اللبنانيّون الذين رأوا في سلفه الراحل البطريرك نصرالله صفير خطراً على مشروعاتهم السياسيّة والطائفيّة والمذهبيّة كما السياسيّة، وكانوا جهات سياسيّة ودينيّة وحزبيّة لبنانيّة ومعهم سوريا الأسد الإبن، شعر هؤلاء الأطراف بشيء من الراحة. فالأخبار التي تجمّعت لديهم من الداخل والخارجين العربي والدولي كانت تشير إلى أمور عدّة، منها أنّه لا يشعر بالارتياح إلى “القوّات اللبنانيّة”، ولا يكنّ الودّ لقائدها سمير جعجع سواء يوم كانت تنظيماً عسكريّاً أو بعدما أصبحت حزباً سياسيّاً. وقد عبّر عن عدم ارتياحه في جلساتٍ مغلقة غير مُنتبّهٍ إلى أنّ السرّ في لبنان لا يبقى سرّاً، وأنّ قسماُ مهمّاً من اللبنانيّين يهوى نقل الأخبار لإظهار أنّه يعرف… ولاعتبارات أخرى.




ومنها أيضاً زيارته دمشق حيث لقيَ حفاوة كبيرة مسيحيّة وإسلاميّة وسياسيّة ورسميّة فيها. ومنها ثالثاً زيارته الجنوب حيث الثقل السياسي والطائفي للشيعة وحيث الثقل الكبير لـ”#حزب الله” و”حركة أمل” المُعمّد تحالفهما بدم محازبيهما يوم تقاتلوا، ثمّ بدمهم خلال سنوات المقاومة العسكريّة الشرسة التي تناوبا على القيام بها ضدّ الاحتلال الاسرائيلي، والتي أجبرته على الخروج من لبنان من دون قيدٍ أو شرط. ثمّ جاء نجاح “حزب الله” مُنفرداً ومن دون حماسة شريكته “أمل” في إيصال حليفه “الجنرال” ميشال عون رئيساً للجمهوريّة بعد سنواتٍ من تحالف رسميّ بينهما كرّسه توقيع قائديهما “تفاهم مار مخايل” في شباط 2006، جاء فكوَّن انطباعاً لدى الأوّل أنّ الوضع الداخلي في البلاد يبتسم له. فهو مُحرِّر الأرض من احتلالٍ يُعاديه العرب أجمعون. وحليف رئيس الدولة وجمهوره الذي شكَّل في حينه غالبيّة عند المسيحيّين. كما أنّ احتمالات تفاهمه مع بطريرك الموارنة الذي “أُعطي له مجد لبنان” ميسّرة الأمر الذي يُمكّنه من إدارة الأوضاع في لبنان بكثيرٍ من الراحة رغم عدم ارتياح السُنّة له في صورة عامّة والغالبيّة الكبرى من الدروز.

ربّما كان للتسوية السياسيّة التي أجراها “حزب الله” وزعيم “تيّار المستقبل” السُنّي سعد الحريري ورئيس “حزب القوّات اللبنانيّة” سمير جعجع دورٌ في شعور الارتياح المُشار إليه. هذا فضلاً عن أنّ مواقف البطريرك الراعي في ولايته غير المُقيّدة إلّا بإرادة الله عزّ وجلّ أوحت لـ”الحزب” ولجهات حزبيّة وسياسيّة مسيحيّة فضلاً عن الإسلاميّة أنّه يعتزم أو بالأحرى سيُحاول الإقتداء بالأحبار الذين قادوا الموارنة في أكثر الظروف صعوبة منذ نشوئهم قبل مئات السنين، أي ممارسة القيادة المُتنوّعة لهم بواسطة زعاماتهم والقيادات. كما أنّه سيسعى إلى أن يكون والكنيسة وهو على رأسها عرّاب الحلول النهائيّة للحروب في لبنان العسكريّة والسياسيّة، مثلما كان البطريرك الراحل الحويّك ثمّ البطريرك عريضة فالبطريرك صفير في آخر عقدين من القرن الماضي وفي القرن الذي تلاه. ما شجّعه على ذلك تعاظم الدور السياسي لرجال دينٍ هم سياسيّون في آن ولا سيّما في الطائفة الشيعيّة. علماً أنّ هذا الأمر لم يكن سارياً عند المسلمين السُنّة رغم أنّ مُتطرّفيهم انخرطوا في تنظيمات دينيّة – سياسيّة، كما لم يكن سارياً عند الدروز.

لكنّ تفاؤل “حزب الله” بالسيّد الجديد لبكركي وتواصله على نحوٍ مُستمرٍّ معه عبر لجنة حزبيّة ترأّسها رئيس المجلس السياسي السيّد ابرهيم أمين السيّد بدأ يتزعزع منذ زيارة الراعي فلسطين المحتلّة أي اسرائيل للالتحاق ببابا المسيحيّين الكاثوليك في العالم والموارنة منهم، وكان في زيارتها وفي الوقت نفسه للإطّلاع على أوضاع موارنتها وهم أساساً تابعون لكرسيِّه ويهتمّ بأوضاعهم راعي إحدى الأبرشيّات المارونيّة اللبنانيّة (ربّما صور)، ويزورهم في مواعيد مُحدّدة. إذاً انقطع التواصل المُباشر، لكنّ الخلاف لم يُصبح علنيّاً إلّا بعد ثورة 17 تشرين 2019 وانعكاساتها السلبيّة على الحكم والدولة والحكومات والأحزاب والطوائف والمذاهب والاقتصاد والمصارف والنقد والماليّة العامّة والاستقرار والأمن وعلى الشعوب التي صار أكثر من خمسين في المئة منها على عتبة الفقر. كما لم يُصبح علنيّاً إلّا بعد الأزمة الحكوميّة الأخيرة بين رئيس الجمهوريّة ميشال عون والرئيس المُكلّف سعد الحريري وبين صهر الرئيس والأقرب له رئيس “التيّار الوطني الحر” جبران باسيل والحريري، وبين باسيل والرئيس نبيه برّي والأحزاب المسيحيّة. وهي أزمة جعلت الخلاف الشديد حول الصيغة والنظام والسلاح وحقوق الطوائف والمذاهب ومستقبل لبنان وتحييده عن أزمات المنطقة وحروبها واستمرار انخراط البعض فيها عسكريّاً، جعلتها أزمة وطن وكيان وعيش مشترك بل أزمة وجود تعيشها كلُّ طائفة ومذهب. أنتج ذلك تلاسناً غير مباشر عبر وسائل الإعلام ولا سيّما بعدما لمس “الحزب” أنّ شعبيّة حليفه المسيحي الكبيرة سابقاً تضمُر، وأنّ السُنّة والدروز بدأوا يقتربون تدريجاً إلى الغالبيّة المسيحيّة المُعارضة والرافضة سياسته، كما لمس وعرف أنّ شريكه وحليفه في “الثنائيّة الشيعيّة” الرئيس برّي زعيم “حركة أمل” يتفهّم دوافع الاعتراض المسيحي والسُنّي والدرزي على عون وصهره باسيل، كما بدأ يُعرب عن تفهّمه هذا لـ”الحزب” وللإعلام. وقد جاء الحشد الشعبي المسيحي الكبير في ساحة بكركي قبل يومين ليدقّ ناقوس الخطر ليس عند “الحزب” وحده بل عند اللبنانيّين كلِّهم، ولا سيّما في ظلّ الطرح المسيحي الرسمي والعلني والمباشر للحياد ومع دعوة المجتمع الدولي إلى التدخُّل، كما في ظلّ التقبُّل الدرزي والسُنّي لأسباب الشكوى المسيحيّة التي بدأت أو قد تتحوَّل وطنيّة تدريجاً.

ما هي دوافع تحرّك الراعي؟