وسام سعادة - القدس العربي

الموارنة والشيعة: روما وأصفهان والتاريخ المعاكس – وسام سعادة – القدس العربي

يغريك التوتر الراهن في لبنان بين رأس الكنيسة المارونية وبين «حزب الله» للهرب بعض الشيء إلى نتف من ذاكرة القرن السادس عشر.
إذ عايش الموارنة والشيعة ذلك القرن كمفارقة في هذه الجبال المطلّة على شرق المتوسط، والتي كانت منذ فتحها على يد سليم الأول جزءاً من السلطنة العثمانية، ولم يكن ثمة ما يميزها بعد تحت مسمّى «لبنان» إلا للناظر الى هذه الجبال من جهة طرابلس، المدينة التي شكّل الموارنة والى حد كبير، العنصر الريفي لكونتيتها «الصليبية» قبل ضياعها على يد السلطان المملوكي قلاوون عام 1289. أما الشيعة (الدولة العمارية) فكان لهم من طرابلس التاريخ السابق فيها على مجيء الصليبيين.

في القرن السادس عشر عرف الموارنة والشيعة تاريخين معاكسين.
لقد كان قرناً قام به علماء شيعة من جبل عامل بمجهود كبير في فارس الصفوية من أجل تأصيل الالتزام بالتشيع الذي أعلنه شاهاتها، وإبعاده قدر المستطاع عن «غلوّ البدايات» وتفقيهه ومأسسته. منذ المحقق الكركي حتى الشيخ بهاء الدين العاملي، عكف العلماء «العامليّون» (مع جغرافيا لجبل عامل تتوسع به حتى بعلبك نفسها) على «تصدير» تشيّع العلماء الى إيران ليكون بديلاً عن تشيّع القزلباش المغالي، فأسهموا بتنظيم الشأن الديني، وبينوا للملوك كيف أن مصلحتهم في استقلالية ذاتية لعلماء الدين عنهم، وقطعوا الطريق على كل مسعى لاستنباط الشاهات «حقاً إلهياً».




كذلك ساهموا في تليين الموقف تجاه أهل السنة، ونقل معاناة الشيعة في البلاد العثمانية، ومحاكاة ما يمكن محاكاته في نفس الوقت من أساليب الإدارة العثمانية للشأن الديني (منصب مشيخية الإسلام). وبين كل هذه الاعتبارات، كان هناك أثر أليم وخطير لواقعة الإيقاع بالشيخ زين الدين الجمعي العاملي وإعدامه في الأستانة عام 1558، في أواخر فترة السلطان سليمان القانوني، فخلع عليه لقب «الشهيد الثاني» ومما يذكر أن الشهيد الثاني كان رفض الانتقال من الديار الشامية إلى الدولة الصفوية.

بالمجمل إذاً، كان للعلماء الشيعة العامليين دور مفصلي في القرن السادس عشر في التشيع المعمق لإيران، بعد محنة التشيع الحماسي المغالي، انما غير المستند الى هياكل فقهية وطيدة في البداية، وتم ذلك في ظروف صعبة للغاية، خاضعة لمسارات الصراع والهدنة بين الصفويين والعثمانيين.
أمر معاكس حدث للموارنة. في وقت كان جيرانهم من العامليين يقصدون إيران لترتيب أحوال مؤسستها الدينية والفصل في مسائل كمثل اجازة صلاة الجمعة في ظل استمرار الغيبة الكبرى للإمام المهدي، كان الموارنة يحتاجون لمن يرتب بيت كنيستهم.

فلئن سافر علماء عاملة من «لبنان» الى فارس لترتيب التشيع فيها، كان على الرهبان الفرنسيسكان واليسوعيين الإبحار باتجاه هذا «اللبنان» غير الموجود بعد، لأجل ترتيب وضع الموارنة الديني والثقافي، من ضمن ترتيب انضواء هذه الجماعة في الكنيسة الكاثوليكية، كما من ضمن إعادة ترتيب الكنيسة الكاثوليكية نفسها في اثر مقررات المجمع التريدنتيني التي مثلت في نفس الوقت حركة مضادة للإصلاح البروتستانتي، لكن أيضا إصلاحاً داخلياً تحديثياً وتطويرياً للكثلكة، لأجل قطع الطريق على تمدد البروتستانتية بفرقها المختلفة.

في نفس الفترة تقريباً الذي أعدم فيها «الشهيد الثاني» للشيعة العامليين في الأستانة بقطع الرأس، اهتمت روما بمتابعة محنة رجل دين آخر من الشرق. بطريرك السريان اليعاقبة أغناطيوس نعمة الله المارديني. كان يراسل الكرسي الرسولي قبل أن يقع في ورطة نتيجة اتهام علماء مسلمين له بالاساءة الى دينهم، ما عرّضه للإعدام. بيد أنه سيختار النجاة بإشهار إسلامه. بطريرك يشهر إسلامه تحاشياً لعقوبة الموت. نزل الخبر كالصاعقة، وانتشرت زجليات تهزئ به «بطرك نعمة إيش سويت من بعد عزك قد ذليت». بيد ان البطريرك اليعقوبي الذي أشهر إسلامه خدع الجميع، وسافر سراً الى رودس ومنها إلى روما.

عززت حادثة إسلام ثم هرب بطريرك اليعاقبة من اهتمام روما بهذه الجماعات الضائعة في الشرق. لا يعني أن روما كان يغيب عنها أن الموارنة كانوا أكثر تمسكاً بارتباطهم بها من مماحكات اليعاقبة معها، بل ان ما طبع نظرة الايطاليين في ذلك الوقت الى اليعاقبة انهم مراوغون، والى الموارنة أنهم قوم بسطاء.

نشط لأجل المهمة الأب يوحنا اليانو المولود في الإسكندرية عام 1530. من عائلة يهودية ثم تنصر وانخرط في الرهبنة اليسوعية، ويتعقب قصته الأب لويس شيخو في كتابه «الطائفة المارونية والرهبانية اليسوعية».
وصف يوحنا اليانو الموارنة في رسائله الى روما بأنه «يغلب عليهم الفقر، وعلمهم زهيد وكلّهم في الأصل رهبان» وأسف لأنه «بتمادي الزمان وبسبب اختلاطهم مع الأمم والطوائف المخالفة لدينهم فقد تسرّبت الى كتبهم بعض الأضاليل ودخل في طقوسهم ورتبهم بعض الشوائب» فـ « لا يوجد في كنائسهم تماثيل القديسين وإنما يزيّنون كنائسهم بصور منقوشة».

ويذكر الأب إليانو ان قرى الموارنة في ذلك الوقت كانت من إقطاعة الأمير منصور العسافي التركماني، وأنه «اذا نزل الموارنة من قراهم الى مدن الساحل يسخّرهم أهلها المسلمون لأمورهم، فيضطرونهم الى نقل أحمالهم، أو يقضون عليهم بأشغال شاقة في دار الحكومة أو في بيوت خاصة». كما أنه يسجل لنا بدايات التوطن الماروني في جبل الدروز، أي الشوف الكبير والمتنين اليوم. يقول: «ولكثرة ما يفرض على الموارنة من الضرائب قد غادر جمّ غفير منهم ضياعهم والتجأوا الى بلاد الدروز».

ساهم إليانو، ومرسلون آخرون في ذلك الوقت، باعطاء الأولوية للإصلاح الديني والثقافي للموارنة، مع أنهم قوم بسطاء «يغلب عليهم الفقر وعلمهم زهيد» بدل استمرار التعويل على المد والجزر مع اليعاقبة، الأكثر مراساً في الجدل اللاهوتي وفي المراوغة، والذين كانوا يفرضون تأثيرهم على قسم لا يستهان به من الموارنة.

ومن مجمع قنوبين الأول 1580 الى تأسيس مدرسة روما المارونية 1584 الذي سيبزغ منها اسم جبرائيل الصهيوني ثم يوحنا الحصروني، ستتشكل أول نخبة إكليركية مارونية مختلطة بإنسانيات عصر النهضة، وعاكفة على الترجمات، سواء لكتب دينية أو لمخطوطات الإدريسي.

هي الفترة التاريخية نفسها التي دشن فيها الشيخ البهائي (بهاء الدين العاملي) في ظل الشاه عباس الكبير، ما سيعرف بمدرسة أصفهان، بخاصة وانه كان، الى جانب المير داماد في الفلسفة، استاذ الملا صدرا في الفقه والفلك، أي استاذ أعظم فلاسفة إيران في العصر الصفوي.

لكن الأمر يبدو كما لو أنهما عالمان مختلفان. رغم المسافة الضئيلة جغرافياً التي تفصل بين مسقط رأس جبرائيل الصهيوني ابن مدرسة روما المارونيّة في اهدن، والشيخ البهائي في بعلبك.

ثمة لبنان لم يكن قد انوجد بعد لكنه كان بحكم المنفي في كل من أصفهان وروما في ذلك الوقت. كما لو انه ما زال يختبئ فيهما الى يومنا هذا.
فقصارى القول ان تاريخ العلاقة بين الموارنة وبين الشيعة العامليين لم يدرس بشكل منهجي بعد، ولا يمكن دراسته الا بالاعتراف بأنه يتضمن أيضاً تاريخ من انعدام العلاقة، تاريخ من المفارقة. البهائي الى أصفهان، وجبرائيل الصهيوني الى روما.

لا يمكن اسقاط شيء من هذا على واقعنا اليوم، لكنه واقع تناقضي بامتياز بين طوائف لبنان، وبخاصة في نطاق التماس الماروني الشيعي، ولا يقلل من ذلك أن يكون الانقسام حول حزب الله وسلاحه هو كذلك الأمر انقساما مسيحيا داخليا بامتياز.

وفي وقت يتحضر بابا روما فرنسيس لزيارة العراق، وتلهف لاستقباله كنائس تأخر انضوائها للكثلثة قرونا إضافية بعد اندماج الموارنة، ويتأهب لزيارة كل من أور التي خرج منها ابراهيم الخليل، وزيارة السيد السيستاني في الحوزة، يرتفع مجدداً من وسط الجبل اللبناني سهم «المسألة المارونية» ليطرح مسألة «حزب الله» في نفس الوقت.

من جهة، إشارة واضحة الى أن غلبة طائفة على أخرى وصلت في لبنان اليوم إلى نقطة حساسة جدا، خاصة وانها تتقاطع مع كامل اللوحة المأسوية التي يرزح تحتها البلد. ومن جهة مقابلة، استمرار المكابرة أن هناك مشكلة فعلية في العلاقة بين الطوائف. فهل ان جبرائيل الصهيوني ومعاصره الشيخ البهائي لا يمكنهما قطعا اللقاء، أم أن موارنة اليوم وشيعته لا علاقة لهما بأي منهما، ويعيشان آذاك غربة، بل غربتين، عن ذاكرتين، وعن الذاكرة؟