لأننا بتنا بلداً فقيراً… شركات عالمية تعتمد أحجام سلعٍ وأصنافاً تلائم القدرة الشرائية للبنانيين!

مع اقتراب سعر ال#دولار من 10 آلاف ليرة، وتعقّد ملف تشكيل الحكومة، والتوجّه إلى رفع الدعم وترشيده الذي سيصاحبه ارتفاع إضافي بسعر الدولار، وبالتالي ارتفاع بأسعار السلع، تتّجه المصانع العالمية إلى تصدير سلعٍ تتناسب وتصنيف لبنان كبلدٍ فقير، بحيث تكون هذه السلع من أصنافٍ بأحجام أصغر وأنواعٍ مختلفة، لتوائم #القدرة الشرائية المتدنية للشعب. ما الذي يدفع هذه الشركات إلى اتّباع هذه السياسات؟ وكيف يمكن تفسير هذه الخطوة؟ وبناءً على ماذا صنّفت هذه الشركات لبنان بلداً فقيراً؟

“إعادة تموضع الشركات التجارية العالمية تجاه الأصناف التي ستصدّرها إلى لبنان وستصنّعها له هو أمر إيجابي رغم فداحة الأزمة التي نمرّ بها”، بحسب رئيس نقابة مستوردي المواد الغذائية في لبنان، هاني بحصلي. ويلفت إلى أنّ ما يُحكى عن انسحاب الشركات العالمية من سوق السلع الغذائية المحلية لاستبدالها بأصنافٍ أخرى رديئة، غير صحيح، وهو كلام لا يعمل سوى على بثّ أجواء سلبية بين المواطنين.




لكن ما سيتغيّر، هو أنّ هذه الشركات عزمت على التموضع الجديد تجاه الأسواق اللبنانية بسبب أسعار السلع الهائلة نتيجة ارتفاع سعر الدولار، ونتيجة تراجع القدرة الشرائية لدى المستهلك اللبناني، فهي لن ترضى بخسارة السوق اللبنانية مقابل دخول غيرها إلى هذه السوق، لذلك ستغيّر استراتيجيّتها للبقاء. وجميع الشركات هذه أو وكلاؤها، متواجدة في جميع أنحاء العالم كما في لبنان وفي جميع الأسواق، وهي رائدة في جميع البلدان، حتى في دول العالم الثالث أو دول فقيرة، ولديها خبرة أسواق البلدان النامية، وتعتمد سياسات تسويقية وأصنافاً بشكلٍ يلائم قدرة المستهلكين والحالة المالية، لكن أيضاً ما يوازي الأسعار بالأهمية، هو أنّ هذه الأصناف تتمتّع بالنوعية نفسها للأصناف الشهيرة.

وفي معرض حديثه، يوضح بحصلي أنّ الشركات العالمية تحرص على الحفاظ على علاقة ثقة المستهلك بمنتجاتها، ورغم التموضع الجديد لها، ستبقى هذه العوامل موجودة لكنّها ستصدّر أصنافاً أخرى، فهذه الشركات التجارية لديها آلاف الماركات، لذا، قد تصدّر للبنان ماركات لم يكن يستوردها أو يعرفها من قبل، لكن سعرها يناسب أكثر وبالنوعية نفسها، والأهمّ أنّ هذه الأصناف تحظى بضمانة الشركات العالمية.

وبرأيه، “هذه الخطوة من شأنها تطمين المواطن لناحية عاداته الاستهلاكية، رغم أنّ الوضع ليس على ما يرام وليس وردياً، وسيستغرق الأمر بعض الوقت لكي تبدأ الأصناف هذه بالبروز في السوق اللبنانية، خصوصاً وأنّها سياسة تسويقية على صعيد عالمي”.

وفي إطار الاستراتيجية الجديدة هذه، ستتغيّر سعة وأحجام الأصناف والأصناف نفسها، ليتمكّن المستهلك من تنظيم نفقاته بما يلائم قدرته الشرائية ومدخوله المحدود. فمثلاً، بدلاً من شراء عبوة شامبو ذات سعة الليتر بـ120 ألف ليرة وتكفي لثلاثة أشهر، سيتوافر شامبو ذات سعة أصغر تكفي المواطن لمدة شهر مثلاً بنصف السعر وبالنوعية نفسها.

مع الخطوات التي بدأت تعتمدها الشركات العالمية تجاه السوق المحلية، كيف نفسّر إعادة تموضعها؟ وهل هو إيجابي لناحية التخفيف من الأعباء الإضافية على المواطن؟ أم سلبي لناحية ما دفع بلبنان ليصبح بلداً فقيراً ويُعامل بهذه الاستراتيجية؟

يجيب الكاتب والباحث الاقتصادي، زياد ناصر الدين، على هذا السؤال بأنّه يمكن النظر لهذا التموضع الجديد وفق بُعدين، الأول إيجابي والآخر سلبي. فإذا ما تمّ التخطيط لهذا الملف بشكلٍ صحيح، يمكن الاستفادة منه بخطوة إيجابية، من خلال تحويله إلى دعم إنتاجي داخل لبنان لتصنيع المواد الغذائية، وبالتالي، نوفّر ما كنّا نستورده من الخارج بهذه الكميات والمبالغ الطائلة بالعملة الأجنبية. وفي إطار هذه الصناعة، هناك طاقات وقدرة كبيرة يمكن أن تنتج صناعة هائلة في لبنان، بنوعية عالية ومفيدة ومهمة جداً وبكميات كبيرة، وتستطيع بالوقت نفسه كسر الاحتكار، فواحدة من عوامل الاحتكار هي ال#استيراد. وفي الوقت نفسه، تستطيع هذه الصناعات خلق سوق داخلية وسوق تصريفٍ للخارج، خصوصاً وأنّ اليد العاملة اليوم باتت رخيصة جداً وبالتالي تصبح الكلفة غير مرتفعة.

ويكمل ناصر الدين عن البُعد الإيجابي، بأنّه إذا أرادت الدولة اللبنانية دعم الصناعة، ووفق دراسة كاملة للإنتاج الصناعي، تقدَّر كلفة الدعم بـ2 مليار دولار سنوياً، وتصبح قادرة على خلق حركة مالية تتجاوز الـ9 مليارات دولار. وإذا ما تم دعم المواد الأولية وهي نقطة ضعف الصناعة، يمكن تصنيع 70% من الاستيراد الذي يُقدَّر بمليار ونصف المليار دولار لتأمين الأمن الغذائي الاجتماعي، في الداخل اللبناني.

أمّا البُعد السلبي للتموضع الجديد للشركات العالمية هذه، فيكمن في أمور عديدة. فإذا أرادت تقليص الكميات الكبيرة للسلع التي تصدّرها إلى لبنان -بينما كانت مسهَّلة جداً لأن يحصل عليها-، لن تصبح هذه السلع ضمن الأولوية، وتؤدي هذه الخطوة إلى فقدانها تدريجياً من الأسواق، ويصبح وصولها إلى لبنان خارج أولويات معيَّنة، نظراً لأنّ البلد يقع في أزمات منها أزمة المصارف وتحويل الأموال وضعف القدرة الشرائية وغيرها.

وباعتمادها تصنيع سلعٍ بأحجام جديدة لتصديرها إلى لبنان، فهي تقوم بما يُسمى بعلم الاقتصاد، “أحجاماً تلائم القدرات الشرائية”، عبر تغيير أحجام وسعات وأصناف. فلبنان بدأ يفقد ميزات كثيرة، وهذه واحدة منها، أي كان لبنان يستورد جميع أنواع السلع في السابق، وحتى أن جزءاً من السلع المستورَدة كان يُصدَّر إلى الخارج للتجارة، وتغيير استراتيجية الشركات التجارية العالمية باعتماد سياسة الأحجام والأصناف هذه تؤثر أيضاً على جميع القطاعات، إذ تنعكس حتى على السياحة وعلى جذب الاستثمارات والأموال.

وقد عزمت هذه الشركات اعتماد هذه السياسة، لتصنيفها لبنان من بين الدول الفقيرة. لكن في علم الاقتصاد، ما هي معايير تصنيف بلدٍ ما على أنّه فقير؟ وماذا عن لبنان؟

يشرح ناصر الدين أنّه يؤخذ بعين الاعتبار ربط الدولة بالأسواق المالية وقوة القدرة الشرائية للعملة المحلية وقوة القدرة الشرائية للرواتب، والقدرة الاستهلاكية الموجودة والقدرة على الاستثمار، وبالتالي إلى أي مدى يخلق هذا الاستثمار فرص عمل ليساعد في النمو الداخلي. أمّا في لبنان، فنفتقد الاستثمار ومعه فرص العمل، بالإضافة إلى انهيار سعر صرف الليرة، وأزمة شح الدولار، فضلاً عن فقدان الثقة بالاقتصاد اللبناني، وضعف القدرة الشرائية وزيادة البطالة، فنتحدث إذاً عن دولة فقيرة.


النهار