//Put this in the section //Vbout Automation

هل من يُراهن على صحّة خامنئي في واشنطن وطهران؟

سركيس نعوم – النهار

لم تكن الدول الأوروبيّة الموقِّعة على الاتفاق النووي مع الجمهوريّة الإسلاميّة الإيرانيّة إلى جانب الولايات المتّحدة عام 2015 لتدعو الإثنتين إلى اجتماع يضمّها كلّها للبحث في عودة التفاوض بين الأخيرتين، من أجل إحياء الاتفاق المذكور بعدما وضعها على طريق الموت أي في الغيبوبة الرئيس الأميركي السابق دونالد ترامب، لم تكن لتفعل ذلك لولا عاملين أو بالأحرى موقفين. الأوّل اقتناع سيّد البيت الأبيض الجديد جو بايدن، وهو كان نائب رئيس يوم وقَّعت بلاده الاتفاق النووي، بأنّ الانسحاب منه عام 2018 لم يكن في مصلحة أميركا ولا في مصلحة السلام والاستقرار في الشرق الأوسط واستطراداً في العالم بعدما تحوّلت إيران دولة فاعلة جدّاً في الأوّل، كما بعدما صار وُكلاؤها موجودين في الثاني وقادرين على زعزعة استقراره، تماماً مثل نظرائهم المُنتمين إلى السُنّة والمُعادين لهم. علماً أنّ العداء لا يمنع التعاون أحياناً أو “الاستخدام” إذا كان يستهدف العدوّ المشترك الأوّل للفريقين. وقد عبَّر علانية وقوفه ضدّ الإنسحاب فور حصوله، واستمرَّ على هذا الموقف في حملته الانتخابيّة الرئاسيّة، وترجمه عمليّاً بتعيينات ذات مغزى في إدارته كان لأصحابها دورٌ في الإعداد للاتفاق النووي، وسيكون لهم دورٌ مماثل وإن أكثر صعوبة لإحيائه. كما ترجمته مواقف غير موسّعة له ولأعضاء إدارته. أمّا الموقف الثاني فهو إظهار إيران بوسائل عدَّة تمسُّكها بالاتفاق النووي ورغبتها في عودة أميركا عن الانسحاب منه ورهانها أنّ فوز بايدن بالرئاسة سيُحقِّق هذه العودة. لهذا السبب رفضت وبإصرار فتح باب التفاوض مع ترامب رغم استماتته لتحقيق ذلك بالإيحاء ومن دون تفاصيل أنّ جلوسه مع رئيس إيران أو من يحكمها فعلاً سيُحيي الاتفاق وإن مُعدّلاً. لهذا السبب أيضاً صمدت إيران أمام عقوباته المتزايدة التي ألحقت بها أضراراً كبيرة جدّاً وبشعبها جرّاء الانهيار المالي والنقدي والاقتصادي والفقر الذي تسبَّبت به. لصمودها أسبابٌ عدّة أبرزها، إلى جانب عنفوانها وعنادها، الإسهام مع عوامل أخرى لم تكن في مصلحة ترامب داخل بلاده في آخر سنتين من ولايته في خسارته ولاية رئاسيّة ثانية. وقد تحقّق هدفها علماً أنّ ذلك لا يعني أنّها كانت العامل الأكبر أو ربّما الوحيد الذي حقّق هذا الإنجاز.




طبعاً لا يعني الاجتماع في ضيافة الدول الأوروبيّة المُشار إليها أعلاه وبدعوة منها أنّ قرار عودة المفاوضات بين واشنطن وطهران سيكون أحد أبرز نتائجه. فالولايات المتّحدة صادقة في رغبتها في العودة إلى الاتفاق النووي، وفي استخدامه لتحقيق الاستقرار في الشرق الأوسط الذي تزعزع منذ تأسيس نظامها الإسلامي قبل 48 سنة. لكنّها في الوقت نفسه غير قادرة على عدم إدخال تعديلات عليه جرّاء عاملين. الأوّل اقتناع غالبيّة شعبها بضرورة تعديل أمرٌ فيه يتعلَّق بمدّة تعليق تخصيب الأورانيوم، كما بضرورة معالجة مشروعها الصاروخي الباليستي سواء بإضافته إلى الاتفاق أو باتفاق آخر منفصل. يعود هذا “الفضل” إذا جازت تسميته على هذا النحو إلى ترامب بعد نجاحه في تغذية المخاوف من إيران في المنطقة والعالم. وبايدن لا يستطيع تجاوز ذلك في ظلّ لا شعبيّة إيران الإسلاميّة في أوساط الشعب الأميركي. أمّا العامل الثاني فهو رفض إسرائيل الحليف الاستراتيجي الأوّل لأميركا العودة إلى الاتفاق، وإذا كان لا بُدّ منها لأنّها لا تستطيع الحؤول دونها فعلى الإدارة في واشنطن التشدُّد في الموضوع النووي تلافياً لإنتاج إيران سلاحاً نوويّاً يُهدِّدها وفي الموضوع الصاروخي. تُشارك إسرائيل هذا الموقف معظم الدول العربيّة في المنطقة رغم “عداءها” المُزمن لها لأنّ خطر إيران الإسلاميّة صار مُباشراً عليها كلّها، وفي مقدّمها دول الخليج ولا سيّما بعدما سيطرت إيران كما يقول قادتها العسكريّون و”حرّاسها الثوريّون” وعلماؤها على أربع عواصم عربيّة. الدول المُشار إليها هذه حليفة ومن زمان لأميركا وأوّلها العربيّة السعوديّة. هذا “التشارك” يُعطي المُعارضة الأميركيّة الداخليّة للعودة الى الاتفاق النووي قوّة وانتشاراً واسعاً ويُقلِّل من قدرة بايدن أو يُقيّد حريّته في أثناء التفاوض. علماً أنّه من الذين يعرفون أنّ إيران لم تُنفّذ وعدها لأوباما الذي كان رئيسه بالتفاوض معه لإشاعة الاستقرار في الشرق الأوسط. وبدلاً من تنفيذه تابعت توسُّعها الإيديولوجي والعسكري والميليشياوي والنظامي (من نظام)، بحيث صارت تهديداً مُهمّاً للعالم العربي ولإسرائيل وللعالم الإسلامي السُنّي وربّما للعالم.
في أيِّ حال ما يجري منذ فوز بايدن بالرئاسة من جهة إيران هو تأكيد الرغبة في العودة إلى طاولة المفاوضات مع أميركا، لكنّها تريد مخرجاً لائقاً لا يُظهرها “راكضة” للجلوس حول الطاولة، واتخاذها في الوقت نفسه مواقف وقرارات نيابيّة وتنفيذيّة القصد منها الإيحاء بأنّها غير خاضعة لضغط العقوبات، وبأنّها هي التي تشترط على أميركا من أجل البدء في التفاوض. هذا أمرٌ قد يكون مفهوماً إذ أنّه يعكس رغبةً في التفاوض بسقف عالٍ جدّاً كي تستطيع طهران التنازل لاحقاً من دون الاضطرار إلى التضحية بمكاسبها الكثيرة. لكنّ الخطر فيه هو أنّ إيران قد تصبح أسيرته.

ومن شأن ذلك دفع بايدن إلى التروّي والصبر مع استمرار أذى العقوبات لإيران، كما أنّه يُصعِّد على النظام الإسلامي النزول تحت سقفه العالي جرّاء الآثار السلبيّة عليه داخل بلاده، ولا سيّما بعد تبرئة ترامب في محاكمة العزل الثانية وبعد تأكيده اعتزامه العمل في السياسة كما بعد ثبوت أنّ شعبيّته لا تزال كبيرة عند الجمهوريّين على الأقل حتّى الآن. لذلك كلُّه لا بدّ من انتظار حصول الاجتماع الأميركي – الإيراني مع أوروبيّي الاتفاق النووي قبل التوسُّع في التحليل سلبيّاً كان أم إيجابيّاً عن مستقبل الأخير، كما عن مستقبل العلاقة غير الموجودة حتّى الآن بين واشنطن وطهران. في هذا المجال يظنُّ متابعون أميركيّون في واشنطن لهذا الموضوع الدقيق والحسّاس والمُهمّ والخطير أنّ إيران وأميركا ستستمرّان في التفاوض غير المباشر عبر أوروبا وربّما أقنية أخرى بعضها عربي أو في الإعداد له إلى ما بعد إجراء الانتخابات الرئاسيّة الإيرانيّة في حزيران المقبل. فالتنافس شديدٌ بين الإصلاحيّين المُعتدلين والمحافظين – المُتشدّدين ولا سيّما بعدما فاز الفريق الثاني بأكثريّة مجلس الشورى (مجلس النوّاب) قبل نحو عام. والإثنان يعتمدان على جمهورَيْهما. فأصحاب الاعتدال يُراهنون على التردّي الكبير لاقتصاد بلادهم وعلى انهيار عملتها وعلى الفقر الذي يسودها رغم غناها بالموارد الطبيعيّة كي يفوزوا بالرئاسة. وأصحاب التشدُّد يراهنون على سطوة وسيطرة وتأثير علماء الدين و”الحرس الثوري” و”الباسيج” وعلى “الإسلام” كي يربحوا الرئاسة ويُمسكوا تالياً بالسلطتين التشريعيّة والتنفيذيّة، علماً أنّ قائدهم هو المرجع الأوّل والأخير في البلاد بوصفه مرشدها والوليّ الفقيه. الفريقان يريدان التفاوض. لكن، وكما في المرّة الأولى عام 2015 هل تكون رغبة المُتشدّدين في الفوز نابعة من حرصهم على أن يتوصُّلوا هم إلى اتفاق مع أميركا والمجموعة الدوليّة 5 + 1 لا الإصلاحيّون؟ الجواب سمعه كاتب “الموقف هذا النهار” في طهران في حينه من شخصيّة مطّلعة وقريبة من المحافظين، وكان: “هناك رغبة أخرى إلى جانب الرغبة المذكورة هي الفوز في الانتخابات (بعد الاتفاق) والإمساك بكلّ مفاصل السلطة”. علماً أنّ طبيعة نظام إيران لا تسمح لرئيس الجمهوريّة سواء كان إصلاحيّاً أو مُتشدّداً اتخاذ قرار نهائيّ في أي أمر ولا سيّما إذا كان بأهميّة “أميركا والاتفاق النووي” قبل موافقة المُرشد والوليّ الفقيه عليه. لكن هنا تجدر الإشارة إلى أنّ صحّة الوليّ الفقيه السيّد علي #خامنئي ليست جيّدة أي “تعبانة” على حدّ قول مُتابعين لبنانيّين جديّين لطهران وما يجري فيها. لهذا السبب ربّما يُريد ضمان رئاسة الجمهوريّة ومجلس الشورى للمحافظين وهو “سيّدهم” وقبل إصابته بأي مكروه لا سمح الله. في الانتظار يُمارس الإيرانيّون والأميركيّون فنونهم “التحضيريّة” مثل: هل تشارك واشنطن في الحوار الذي دعت إليه أوروبا كعضو في الاتفاق النووي أو كضيف؟ ذلك أنّ بايدن لم يُقرِّر بعد عودة بلاده إليه.