تصلُّب عون من الحكومة إلى استحقاق الرئاسة… الحريري في عين العاصفة وتحميله مسؤولية الانهيار

ابراهيم حيدر – النهار

أربعة أشهر مرّت على تكليف سعد #الحريري لرئاسة #الحكومة، ولا شيء يوحي بأنها ستسلك طريق التأليف. نشهد استعصاءً لدى رئيس الجمهورية ميشال #عون ورئيس التيار الوطني الحر جبران باسيل، عبر عنه الأخير برفع السقف وبمزيد من الاستعصاء، يحجز اي إمكان لبلورة تسوية تسمح بعبور المرحلة الخطرة التي يمر بها لبنان ووقف حالة الانهيار المتمادي للبلد. الواقع أن عون الذي لم يكن يحبذ اسم الحريري لترؤس الحكومة، تفاجأ بالطريقة التي قدم بها الحريري نفسه خلال البحث في التشكيل، وهو ما زاد من حدة موقفه رفضاً لأي صيغة يقدمها الرئيس المكلف، متمترساً في قصره الرئاسي في بعبدا على تسمية الوزراء المسيحيين، ثم رفضه لحكومة الـ18، إلى ما يسمى بالثلث المعطل، وهو ثلث لطرف واحد في الحكومة، ما يعني أن اي حكومة سيصبح فيها أكثر من ثلث معطل واحد ينسف تركيبتها من اساسها.




كل المبادرات المحلية والخارجية لتسوية تؤدي إلى تشكيل الحكومة سقطت على أبواب استعصاء القصر، فالرئيس عون بات واضحاً أنه لا يتعايش مع سعد الحريري، وهو لا يريده في مهمته، وفق ما ينقل عن أجواء القصر، لكن لا نص دستورياً يستطيع من خلاله سحب التكليف طالما أن الرئيس المكلف لا يعتذر بنفسه، لذا يبقى التأليف معلقاً ويدور في حلقة مفرغة والرهان أن يتعب الحريري ويقتنع بصعوبة الاستمرار. لكن المسألة أكثر تعقيداً من مجرد قبول بالتكليف أو الانسحاب، خصوصاً بعد التكليف الثاني منذ استقالة حكومة حسان دياب، بعد مصطفى أديب، وهي مسالة تتعلق بموقع الرئاسة الثانية وببيئة السنية السياسية التي لا تحتمل انسحاباً ثانياً تحت الضغوط في الصيغة اللبنانية التي أنتجها الطائف، اقله في حقوق الطوائف وصلاحياتها، فشهدنا إصراراً حريرياً على التشبث بالمسودة الحكومية التي قدمها وأعلنها على الملأ من دون ان يقطع حبل التواصل نهائياً وأبقى الامور مفتوحة على الحل بلا نتيجة تُذكر.

وأمام الاستعصاء المستمر والتطورات المحلية والأقليمية والدولية، حيث بدا لبنان على فالق التغيرات في المنطقة، يطرح البعض ضرورة الوصول الى بحث تأسيسي جديد للنظام بما يتجاوز تشكيل الحكومة. يروي سياسي لبناني عتيق أن “#حزب الله” وأمام التعقيدات يريد طرح المسالة الحكومية من زاوية مختلفة، في انتظار تطورات على المستويين الدولي والإقليمي، فالمشكلة ليست في توزيع الحقائب بقدر التصدي للمعضلة الأساسية التي تتعلق بالنظام، وهو يدرك أن هذا النظام يتهاوى وهو يتحمل جزءاً من المسؤولية عن هذا الوضع، ولن يتأثر إذا حدثت تغييرات تأسيسية جديدة بصفته الطرف الأقوى والقادر على فرض ما يريد في ظل الازمة الأخطر في تاريخ لبنان. لذا يريد حكومة بهوية ممانعة في بيانها الوزاري وفي تركيبتها ووجهتها التأسيسية في السياسة والاقتصاد والمال والمشاريع، تحت سقف الممانعة.

وبصرف النظر عما إذا كان هذا النقاش التأسيسي قد يأخذ مداه، إلا أنه يصب في النهاية لمصلحة الأطراف الأقوى في التوازنات الحالية في النظام. ويطرح الحزب مثلاً ماهية النظام الاقتصادي ودور القطاع المصرفي والمفاوضات مع صندوق النقد الدولي، وصولاً الى مفاوضات ترسيم الحدود مع إسرائيل، فيما اي تغيير في التركيبة اللبنانية اليوم وبعد انتهاء الانتفاضة اللبنانية، سيكون أكثر سوءاً في غياب قوى قادرة على الضغط لتغيير المقاربات والسياسات التي أخذت البلد إلى الانهيار.

الكلام عن حكومة مختلفة، بدأت تظهر ملامحه، انطلاقاً أيضاً من كلام باسيل، الذي زاد على شروط الاستعصاء مسالة كيفية اختيار الوزراء من الطوائف، طالما أن المناصفة محسومة، ولذا ستُرفع في وجه الحريري وفق السياسي شروط إضافية، إلى حملة تحمّله المسؤولية عن الإنهيار بهروبه نحو الخارج كرئيس مُكلّف وأنه يسعى إلى فرض وصايات خارجية على الحكومة يستقوي بها ضد الداخل. لكن الاستعصاء السياسي الذي يواجه تشكيل الحكومة، معروف، وإن كانت المشكلة بنيوية تتعلق بالنظام، ووفق السياسي لا يمكن الحديث اليوم عن حلول سحرية للأزمة، إذ أن أي حكومة قادرة على نقل البلد إلى وضع مختلف لن تكون حكومة تتمثل بها كل القوى السياسية والطائفية بالمحاصصة، فمهمة الحكومة التي ستتشكل يجب أن تكون مهمتها الإنقاذ قبل البحث في التأسيس الجديد للنظام الذي سيكون أسوأ من الراهن في ظل موازين القوى الحالية. وعليه يظهر الاستعصاء العوني وشروطه التي عبر عنها جبران باسيل بوضوح، كسراً لكل تقاليد الصيغة اللبنانية، وهو قد ينسحب على كل الاستحقاقات الدستورية في المرحلة المقبلة، من انتخابات رئاسة الجمهورية، بما في ذلك البقاء في القصر حال انتهاء ولاية العهد إلى الانتخابات النيابية ما لم يؤخذ بالشروط التي يضعها ميشال عون.

كل ذلك يعني أن لا تسوية قريبة للشأن الحكومي، طالما أن المشكلة على ما يظهر تتعلق بالنظام وبتركيبته وبالرهانات الخارجية القاتلة، وبمحاولات تغيير وجه لبنان. لا حكومة في الامد القريب ولا اعتذار من الحريري، يقول السياسي اللبناني، فالجمود سيلف البلد الى أجل غير مسمى، في الوقت الذي يأخذ الانهيار كل شيء، وقد نشهد انسدادات تتفجر في غير مكان، إذ تثبت الوقائع أنه لم يمر على البلد مرحلة سيئة كالتي يشهدها اليوم في ظل العهد الرافض لأي تسويات.

الخطر الحقيقي أن الصيغة اللبنانية المعروفة والقائمة على التسويات انكسرت نهائياً في ظل العهد، وهذا الانكسار فتح مرحلة جديدة في البلد تقوم على تجاوز الصيغة والتركيبة بالأمر الواقع، لذا يمكن فهم مثلاً رفض الصيغ الحكومية من 18 وزيراً، بالإصرار على 20 لكن بالمعادلة نفسها التي تقوم على الثلث المعطل، إلى أن يتم الوصول الى حكومة ممانعة من 22 وزيراً تشترك فيها القوى السياسية كما يطرح “حزب الله” تكون مهمتها التأسيس للنظام الجديد. لكن هذا يعني أن ركناً أساسياً من الصيغة ضرب في العمق. وهي أيضاً ضربت منذ أن تم طُرح اسم عون مرشحاً وحيداً لرئاسة الجمهورية قبل عام 2016 وتوقف البلد في الفراغ على مدى سنتين بين 2014 و2016.

التعقيدات السياسية وأزمة النظام واستعصاء التشكيل الحكومي، عناوين تعبر بوضوح عن تحكّم طرف سياسي بشؤونها، وفق السياسي، وتدل أيضاً على انسداد الأفق ودخول لبنان في المحظور.