طرابلس تخشى الكارثة المقبلة.. انفجار بيروت أم سيناريو صيدا؟

تعيش طرابلس منذ أكثر من 10 سنوات على فوهة بركان من الكوارث، دون أن تعلم متى يحين موعد انفجاره، وهو أمر إن حصل، لن تقتصر أضراره على المدينة وأهلها فحسب، بل قد يشكل خطراً على كامل شمال لبنان وسواحله، وقد يمتد أبعد من ذلك ليهدد البحر المتوسط ودول حوضه.

ملف جبل النفايات في المدينة ليس جديدا، إنما يعود إلى ما قبل الحرب الأهلية. منذ أنشئ عام 1974، وحتى اليوم لا يزال قائماً كأزمة استعصى حلها بعدما علقت في دوامة الاستهتار واللامبالاة، فبات معلما ثابتا في مشهد المدينة. لكنّ اللبنانيين تعلموا بالتجارب أن كوارثهم متجذرة في الماضي وتتفتح ثمارها المدمرة في الحاضر، كما حصل في انفجار مرفأ بيروت الذي جاء بالدرجة الأولى نتيجة سنوات من الإهمال والاستهتار في التعامل مع المواد الكيميائية المكدسة، والفساد الإداري في المرفأ.




الأمر ذاته يتكرر في سوء تعامل السلطات اللبنانية مع المخاطر التي يشكلها جبل النفايات في طرابلس. فوجوده يمثل كارثة قائمة بحد ذاتها، باتت اليوم مرشحة لتطور أكبر بعد صدور تقارير، عقب انفجار مرفأ بيروت، تحذر من انفجار المكب بسبب انحباس غاز الميثان الصادر عن عملية تحلل النفايات فيه، دون معالجته على مدى السنوات الماضية.

الطرابلسيون يلجأون إلى القضاء

تلك التقارير ترافقت مع حملة دعاوى قضائية رفعتها جمعيات بيئية وشخصيات من أبناء المدينة، كان آخرها في الثامن من شهر فبراير الحالي، إذ اتخذ عدد من شخصيات المدينة صفة الادعاء الشخصي في شكوى لدى النيابة العامة التمييزية “ضد كل من يظهره التحقيق فاعلاً آو شريكاً آو متدخلاً في التسبب بالجريمة التي تهدد سلامة وأمن وصحة أهالي قضاء طرابلس وتعريضهم للأخطار والتهديدات الناتجة عن جبل النفايات”.

نسخة من الدعوى.

القاضي المتقاعد نبيل صاري، أحد المتقدمين بالشكوى، يشرح لموقع “الحرة” أن التحرك باتجاه النيابة العامة التمييزية يأتي بعدما فشلت كل محاولات أبناء المدينة وجمعياتها في لفت نظر السلطات إلى هذه الكارثة البيئية، التي “وصلت اليوم لتهدد سلامة المدينة وأهلها، بانفجار مشابه لما شهدته بيروت، نتيجة تفاعل وانبعاث الغازات الكيميائية القابلة للاشتعال، مما اضطر السلطات إلى الطلب من المتعهد حفر 3 آبار في الجبل لتنفيس احتقان الغاز منه في الهواء مع ما يمثله ذلك من خطر ينتظر شرارة قد تحوله إلى حريق ضخم يهدد كل الشمال اللبناني بانبعاثاته أو بانفجار مأساوي يطيح بنصف المدينة ومرفأها كما حصل في بيروت”.

ويضيف صاري “لجأنا إلى القضاء ليرفع هو الضرر عن طرابلس، التي لا يحتمل وضعها كارثة من هذا النوع، ولا يحتمل صحياً وبيئياً أي تأخير ومماطلة في الحل، خاصة أن عوامل عدة تزيد من خطورة الكارثة، من بينها وجود معمل فرز النفايات إلى جانب المكب، والذي تخزن فيه الشركة المتعهدة آلاف الإطارات المطاطية المستعملة، إضافة إلى تكون طبقات من الورق والأعشاب اليابسة على سطح الجبل، والتي من شأن اشتعالها لأي سبب أن يؤدي إلى تفجيره أو احتراقه”.

إهمال ومماطلة والخطر يزداد

كان المكب قد تسبب بكارثة بيئية وصحية في المدينة عام 1998،  جراء حريق كبير أدى إلى تلوث أجواء المدينة بالغازات السامة، حيث لا يزال الطرابلسيون الذين شهدوه يذكرون سحب دخانه التي غطت المدينة وجوارها وصولاً إلى أقضية مجاورة. حينها طالبت طرابلس الحكومة اللبنانية بحل جذري، جاء على شكل تلزيم من مجلس الإنماء والإعمار لشركة باتكو على أساس 3 شروط، أولها حفر الآبار لسحب الغاز الحيوي المختزن في المكب، إضافة إلى سحب العصارة السامة ومعالجتها قبل تصريفها، وأخيرا تهيئة المكب هندسياً ليستوعب ارتفاع 20 متراً من النفايات.

جانب من المكب.

الـ٢٠ متراً وصلت اليوم إلى حد الـ49 متراً، في حين أن الحد الأقصى للاستيعاب كان 25 متراً. وفي عام 2005 قرر مجلس الإنماء والإعمار أن يستمر العمل في المكب 5 سنوات إضافية، أي حتى نهاية عام 2010، وبفعل مشكلة عدم إيجاد بديل عنه استمر العمل حتى العام 2012 حين بلغ ارتفاع المكب 35 متراً لتبدأ الأعطال، نتيجة ضغط النفايات الزائد، بضرب البنية التحتية للمكب، فتوقفت محطة معالجة الغاز عن العمل، وتبعتها محطة معالجة العصارة، واستمر تراكم الغاز في المكب حتى اليوم فيما العصارة السامة تجري نحو البحر متسببة بتلوث هائل.

رغم ذلك، استمرت السلطات اللبنانية بالإيعاز إلى الشركة المشغلة بمتابعة العمل بحجة غياب البديل، ما دفع بلدية طرابلس واتحاد بلديات الفيحاء إضافة إلى شركة “باتكو” إلى إصدار بيانات رفع مسؤولية عن أي انهيارات أو حرائق أو تلوث قد يتسبب به استمرار العمل في المكب، وهو ما حصل عام 2018 حين شهد المكب انهيارات عدة بالإضافة إلى انهيار حائط الدعم الذي يحيط به، فيما عجز المسؤولون عن تأمين مكب بديل.

وفي عام 2019، توقف العمل لأول مرة في المكب، وافتتح بقربه مكب آخر في قلب البحر تسبب بمشكلة بيئية أخرى حيث ترمى النفايات دون معالجة، على أن تستمر الشركة في معالجة الغاز والعصارة الصادرة من المكب القديم، لكن ذلك لم يحدث. وعجزت الشركة عن تمديد أنابيب بعمق يناسب الجبل الذي تجاوز الـ45 متراً، فتوقف العمل على عمق 17 متراً، حيث ارتفع معدل كثافة النفايات بسبب هبوط المكب وبات الحفر أعمق يمثل تهديدا لثبات المكب بفعل الارتجاجات الناتجة عن الحفر، إضافة إلى مخاطر اندلاع حرائق خلال هذه الأعمال، بحسب بيان للشركة صدر في أغسطس من العام 2020، تناول أيضا موضوع تكرير العصارة، وأكد أن محطة التكرير باتت عاجزة عن استيعاب كمية العصارة الناتجة عن تخطي المكب لقدرته الاستيعابية منذ العام 2012.

الكارثة تنتظر “معلم التلحيم”

محاولات إغلاق المكب لم تنجح.

يذكر أن المكب قد أنتج نحو 70 مليون متر مكعب من غاز الميتان منذ توقف الشركة المشغلة عن معالجته في العام 2012 وحتى العام 2019، بحسب برنامج منظمة EPA) Environmental protection Agency) الذي يقيس نسبة الغازات المنبعثة من المطامر، في حين لم يعرف مصير هذه الكميات الضخمة من الغاز: هل انبعثت في الهواء أم احتبست بين طبقات المطمر، أم أن فيه جيوباً غازية؟ كل ذك يحتاج إلى كشف ودراسات علمية.

“قد لا يكون الخطر وشيكاً لكن لا أحد يعلم متى يحين موعد الكارثة في ظل إهمال الدولة لهذه المشكلة وعدم المباشرة بمعالجتها،” يقول الدكتور يحيى الحسن أحد المتقدمين بالشكوى، “خاصة أن كل التقارير المقدمة قائمة على التقدير وليس على دراسة علمية شاملة أو نتائج دقيقة تظهر حجم الغاز المنبعث والمحتبس…”.

ويتابع قائلا “هذا الجبل يتحلل ويختزن كل يوم المزيد من الغازات لاسيما بعد فصل الشتاء حيث تزيد الأمطار من ضغط النفايات وتنشط عملية تحللها من جديد، ما يرفع مستوى الانبعاثات، ولا يعلم أحد متى ينشب حريق كبير فيه أو ينهار حائط الدعم بسبب الضغط متسبباً بكارثة لا تقتصر على سيناريو الانفجار بل تتعداه إلى كارثة بيئية في المدينة وساحلها. وكنا قد أثرنا هذه المخاوف قبل سنوات عدة، وواكبناها بسلسلة دعاوى وشكاوى موجهة إلى كافة المسؤولين عن الملف دون جدوى، آخرها الدعوى الحالية في محكمة التمييز بعدما بات الأمر يهدد أمن وسلامة المدينة”.

نسخة عن شكوى موجهة لوزارة البيئة.

وكانت نقابة المهندسين في الشمال قد أجرت مسحاً للجبل، أصدرت بعده تقريراً وجهته إلى المسؤولين دون أن تنشر تفاصيله، وذلك “لكونه يظهر تقصير كافة الأطراف من الشركة إلى البلدية واتحاد البلديات، إضافة إلى مجلس الإنماء والإعمار”، بحسب ما يقول الحسن.

لكن خلاصة ما نشرته النقابة عبر مواقع التواصل الاجتماعي كان “إن مكب النفايات يعتبر قنبلة موقوتة ويمكن أن يتهدد البيئة والمواطنين في حال حدوث حرائق بسبب وجود كميات كبيرة من الغاز الحيوي في جسم المكب، يمكن أن تندلع بسبب خطأ بشري”.

“هذا الخطأ البشري قد يكون قذيفة أو صاروخا أو عملا تخريبيا أو إرهابيا، أو حتى أعمال تلحيم كما جرى في مرفأ بيروت”، يقول الحسن، محذراً من تراجع الملف البيئي بين الأولويات الداهمة اقتصاديا وسياسياً في البلاد والمدينة، “لاسيما وأن الملف يقع في عمق التجاذبات السياسية في المدينة ويخضع لتقاذف المسؤوليات حتى أن هناك صراعا بين سياسيين ورجال أعمال على الجهة التي تلتزم معالجة المكب وإزالته، وهو ما يعرقل العملية حتى اليوم بالإضافة إلى أزمة إيجاد مكان بديل”.

في المقابل، تشهد القضية جدلاً علمياً، إذ يقلل بعض الخبراء من خطورة التقارير السابقة، كما هو حال الدكتورة ميرفت الهوز المتخصصة بالهندسة البيئية، والتي تصف لموقع “الحرة” التقارير الصادرة في هذا الشأن بـ”التهويل”.

وتعتبر أن “إنتاج المطامر للغازات أمر طبيعي نتيجة التحلل، لكن ليس بالضرورة أن يختزن المطمر هذه الغازات التي على الأرجح أنها انبعثت في الهواء أفقيا وعاموديا حيث لا يحد المطمر أي عوائق تمنع تسرب الغاز خاصة بعد انهيار حائط الدعم”.

وتركز الهوز على الخطورة التي يمثلها المكب الثاني الذي أقيم بعد إغلاق جبل النفايات القديم، واصفة إياه بـ”هرم خفرع”، الذي أنشأته الدولة بعد “هرم خوفو” في إشارة إلى المكب القديم، حيث ترمى النفايات في البحر دون أي معالجة مع ما يسببه ذلك من مخاطر.

سيناريو صيدا يهدد البحر المتوسط

انفجار بيروت زاد المخاوف من سيناريو مشابه قرب مرفأ طرابلس، لاسيما وأنه حصل سابقاً في دول عدة من بينها المكسيك وتركيا حيث انفجرت مكبات للنفايات مخلفة أضرارا كبيرة وعشرات الضحايا.

وفي أحسن الأحوال، يقول الحسن “قد نواجه سيناريو آخر كان قد شهده لبنان في مدينة صيدا التي شهد جبل نفاياتها حريقا استمر نحو شهر دون التمكن من السيطرة عليه، وأدى الدخان المتصاعد منه إلى تلويث أجواء محافظة الجنوب بكاملها، إضافة إلى انهيار جزء كبير منه في البحر ما لوث كل الشواطئ اللبنانية بالنفايات”.

هذا الخطر لا يهدد لبنان فحسب، بل يهدد كل دول جوار البحر المتوسط. ففي العام 2005 اشتكت سوريا من وصول نفايات صيدا إلى شواطئها. وكذلك في قبرص المقابلة للبنان، والتي وصلت إليها النفايات بعد سقوط أطنان منها في البحر من مكب صيدا. ويمثل انهيار جبل نفايات طرابلس في البحر سيناريو أكثر كارثية من نظيره الصيداوي، إذ يهدد كامل البحر المتوسط بنفاياته والمواد السامة التي يحتويها المكب الذي تبلغ مساحته 67000 متر مربع.

ويتسبب المكب بوضعه الحالي بضرر بالغ لبيئة البحر المتوسط، لاسيما الحياة البحرية القريبة من الشاطئ. وبحسب تقديرات خبراء بيئيين، فإن 70 مترا مكعبا من العصارة تتسرب يوميا من المكب، وهي أكثر تلوثاً بنحو 60 ضعفاً عن مياه الصرف الصحي، بينما تزداد خلال الشتاء مع هطول الأمطار لتصل إلى 110 أمتار مكعبة، بالتالي يزداد انسيابها إلى البحر، ما يشكل تهديدا كبيرا للبيئة البحرية، بسبب احتوائها على غازات مذابة أبرزها كبريتيد الهيدروجين والأمونيا.

وعام 2018، صدرت دراسة عن جامعة البلمند حول تلوث مياه نهر أبو علي، تظهر أن النقطة الأكثر تلوثاً في مجرى النهر هي المحاذية للمكب، حيث وجدت ملوثات خطرة، وأسمدة زراعية، وكمية كبيرة من البكتيريا.

وخلصت الدراسة إلى ارتفاع درجة تلوث المياه قرب المكب، واستنزاف الكيماويات للأوكسيجين في الماء الأمر الذي يعرّض الكائنات البحرية للخطر. أما مؤشر البكتيريا فبلغ مستوى 23 -29 ملغم/لتر، بينما يقف المسموح به عند مستوى 3 ملغم/لتر. كما رُصدت مستويات مرتفعة من الكلور، الفلورايد، النيترات، الأمونيا المتصلة بالنفايات، ومادتَي السولفات والفوسفات، إضافة إلى معادن خطرة كالزئبق والرصاص.

كل ذلك لم يحفز حتى الآن أي جهة مسؤولة على التدخل وحل المشكلة، في حين يصر أهالي طرابلس والنشطاء البيئيون فيها على المواجهة ومواصلة تسليط الضوء على الملف إلى حين حلّه.

تؤكد الدكتورة الهوز أن “لا أحد في السلطة اليوم يهتم بأمر البيئة والسلامة الصحية للسكان، وكل ما يعرقل المعالجة هو مصير الأرباح بيد أي جهة سياسية ستصب”، في حين يرى الدكتور يحيى الحسن أن جبل النفايات يمثل أفضل رمز للسلطة الحالية في البلاد “مهترئة فاسدة ولا تهتم بصحة الناس وسلامتهم”.