خطة باسيل لخلافة ميشال عون في الرئاسة اللبنانية تهدد بإشعال فتنة جديدة

“سجال وتحريض طائفي ودعوات لاستقالة الرئيس” تهدد كل هذه المهاترات بتعطيل تشكيل الحكومة اللبنانية وإشعال الأوضاع في هذا البلد المفلس الذي لا يستطيع مواطنوه سحب مدخراتهم من البنوك، وسبق أن حذّر رئيس حكومته المستقيلة من خطر المجاعة.

ورغم الإفلاس المالي، صعّد السياسيون اللبنانيون مساوماتهم في وقت يُتهم فيه جبران باسيل، صهر الرئيس ميشال عون، بتعقيد أزمة تشكيل الحكومة بهدف تمهيد الطريق لخلافة والد زوجته ميشال عون في الرئاسة، مع ظهور دعوات متطرفة تذكّر بفترة الحرب الأهلية.




تعقيدات تعرقل تشكيل الحكومة اللبنانية

وزادت التعقيدات أمام تشكيل الحكومة اللبنانية، من جراء دخول كل من الرئيس عون، ورئيس الوزراء المكلف سعد الحريري، في سجال علني متبادل، ثم زاد الأمر اشتعالاً دعوة رئيس حزب القوات اللبنانية سمير جعجع للرئيس إلى الاستقالة واتهامه بأنه يساوم باسم حقوق المسيحيين.

وبشأن تأخر تشكيل الحكومة، المكلف به الحريري من جانب عون منذ 22 أكتوبر/تشرين الأول الماضي، قال مصدر مقرب من رئيس الجمهورية لوكالة الأناضول، إن “الأمور متجهة إلى التجميد حالياً فيما يخص تأليف الحكومة”.

ورداً على حديث للحريري، اعتبرت الرئاسة اللبنانية، الأحد الماضي، أنه “يحاول من خلال تشكيل الحكومة فرض أعراف جديدة خارجة عن الأصول والدستور”.

وكان الحريري قد حمّل عون مسؤوليّة تأخير تشكيل الحكومة، مؤكداً أنه قدّم “لرئيس الجمهورية اقتراحاً بتشكيلة من 18 وزيراً اختصاصيين غير حزبيين”.

عون يعترض على على ما يسميه”تفرّد الحريري” بتسمية الوزراء المسيحيين

وسبق أن أعلن عون (مسيحي ماروني) اعتراضه على ما سماه “تفرّد الحريري بتسمية الوزراء، خصوصاً المسيحيين، دون الاتفاق مع الرئاسة”.

ومن جرّاء استقطاب سياسي حاد، لم يتمكن لبنان حتى الآن من تشكيل حكومة لتحل محل حكومة تصريف الأعمال الراهنة برئاسة حسان دياب، التي استقالت في 10 أغسطس/آب الماضي، بعد 6 أيام من انفجار كارثي بمرفأ العاصمة بيروت.

ومن المعروف أن المبادرة الفرنسية لإنقاذ لبنان اقتصادياً، تتطلب الخروج عن الأعراف التي ترسخت في السنوات الماضية في عملية تشكيل الحكومة اللبنانية، ومنها إعطاء قوى 8 آذار بقيادة حزب الله الثلث + واحد والذي يسمى الثلث المعطل، لأنه يمكّن من يملكه التحكم في قرارات الحكومة وتعطيل انعقاد اجتماعاتها، وهو ما تحفظ عليه حزب الله وحلفاؤه.

كما طلب الفرنسيون أن يتم خلال عملية تشكيل الحكومة اللبنانية تقليل سيطرة الأحزاب الطائفية على اختيار الوزراء، مع إبقاء حصص كل طائفة من الحقائب حسب العرف المعهود، وترمي هذه الشروط الفرنسية إلى تقليل الآثار السلبية للمحاصصة الحزبية على أداء الحكومات اللبنانية المتعاقبة الذي يتهم بأنه مسؤول عما آلت إليه أوضاع البلاد من تدهور اقتصادي، أبرزه معالمه انهيار القطاع المصرفي والليرة.

ويُنظر للمبادرة التي طرحها الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون إنها تهدف إلى إضعاف نفوذ حزب الله، وضمان صعود طبقة سياسية من الحراك الشعبي الذي لعب دوراً أساسياً في احتجاجات 2019 التي أدت إلى استقالة حكومة الحريري السابقة.

وبعد انتهاء الاستعمار الفرنسي، عام 1943، اتفق مسلمو ومسيحيو لبنان على “الميثاق الوطني”، وهو اتفاق غير مكتوب يتولى بموجبه الرئاسة مسيحي ماروني، مقابل أن يكون رئيس الوزراء مسلماً سنياً، ورئيس البرلمان مسلماً شيعياً.

الثلث المعطل

وفق محمد الحجار، نائب عن تيار المستقبل بزعامة الحريري، فإن “هناك جهة تسعى للحصول على الثلث المعطل، وهذه الجهة غير قادرة على أن تستوعب أن تشكيل الحكومة اللبنانية سيكون من اختصاصيين فقط”.

وبشأن زيارة الحريري لقطر، الأربعاء، قال إن “الحريري يتابع ويكثّف جولاته لإعادة ترميم علاقات لبنان مع الخارج، بفعل تهجمات حزب الله (شيعي) ومن خلفه (يقصد حليفته إيران)”.

ولخّص الحجار الوضع بقوله إن “الذريعة الأساسية هي رغبة وقرار بالتحكم بأي حكومة تصل للحكم، كما حصل مع حكومة دياب، طالما هذا النمط يحقق لهم مصالح خاصة”.

عون يقدم نفسه مدافعاً عن المسيحيين

على خط مقابل، نفى أسعد درغام، النائب عن كتلة “التيار الوطني الحر” (بزعامة جبران باسيل صهر عون)، تمسك رئيس الجمهورية بـ”الثلث المعطل”.

وتابع درغام للأناضول: “الرئيس عون يتمسك بحقه بالاطلاع على الأسماء المطروحة (الوزراء المقترحين)”، فهو “ليس ساعي بريد تصله لائحة أسماء الوزراء”.

واعتبر أن “هناك إجحافاً بحق الطائفة المسيحية في تشكيل الحكومة اللبنانية، ولا يجوز تحت أي ظرف من الظروف أن تشعر كتلة وازنة في البرلمان بأنها مستهدفة أو مبعدة”.

هجوم على الحريري وتحريض على طرد المسلمين

وتعرض رئيس الوزراء المكلف، سعد الحريري، لردود قاسية بلغت حدود التجريح والإهانات الشخصية والمنطوية على تلميحات طائفية، عندما ذكّر بتصريح قديم لوالده.

وكان سعد الحريري قد أشار إلى التزام والده بالمناصفة بين المسلمين والمسيحيين في وقت سابق، على قاعدة “وقف العدّ“، ويقصد بهذا التعبير الالتزام بعدم إجراء إحصاءات سكانية، في ضوء أن المسلمين أصبحوا أكثر عدداً من المسيحيين (عكس ما حدث عن إنشاء الفرنسيين للكيان اللبناني)، مما قد يفتح الباب لمناقشة فكرة المناصفة في توزيع المناصب، وهو أمر مرفوض من المسيحيين.

وتعود قصة “إيقاف العدّ” إلى تصريح أدلى به رئيس الوزراء الراحل رفيق الحريري من بكركي (مقر الكنيسة المارونية) قبيل انتخابات نيابية، وخلال حملة سياسية وإعلامية شنها عليه حلفاء سوريا خلال فترة الوجود السوري في لبنان. وأدلى بتصريحه أثناء زيارته للبطريرك الماروني الراحل نصر الله صفير، أكد فيه التزامه بالمناصفة بين المسلمين والمسيحيين في إدارات الدولة والمواقع السياسية والإدارية، بمعزل عن الأعداد، وذلك بعد تصريحات تحدث بها مسلمون في ذلك الوقت عن “الديمقراطية العددية”، وصولاً إلى طرح بعضهم قضية “الاستفتاء الشعبي”، وهو ما يرفضه المسيحيون الذين يعتبرون أن الحرب الأهلية وموجات الهجرة أدت إلى اختلال بالميزان الديموغرافي.

ولكن أعضاء بالتيار الوطني الحر الذي يقدم نفسه كمدافع عن حقوق المسيحيين، عملوا على تحويل اقتباس معروف إلى قنبلة إعلامية، مضيفين مزيداً من التوتر على الوضع السياسي للبلاد المفلسة.

بل ذهب بعض أعضاء تيار عون إلى التحريض على طرد المسلمين الذين جاءوا إلى لبنان سنة 635 ميلادية مع الفتح العربي، حسب فيديو انتشر على منصات التواصل، واتهامهم بارتكاب المجازر بحق المسيحيين، حسبما ورد في تقرير لجريدة الشرق الأوسط.

 رد مسيحي يرفض المحاصصة ومواقف الرئيس

أما شارل جبور، رئيس جهاز الإعلام بحزب القوات اللبنانية (مسيحي)، بزعامة سمير جعجع، فقال للأناضول إن “كل ما يقال عن صلاحيات وحقوق مسيحية أو إسلامية هو كلام خارج السياق؛ فاللحظة المسيطرة هي الانهيار المالي”.

اعتبر جبّور أن “من يتحدث عن حقوق طائفية أو سياسية في عملية تشكيل الحكومة اللبنانية يريد فقط المحاصصة، أي ضمانة حصص لفريقه السياسي، بينما المطلوب وضع رزمة إصلاحات”.

وزاد: “نحن كقوات لبنانية موقفنا ليس موجهاً ضد الرئيس المكلف (الحريري) أو أي شخصية أخرى، المشكلة هي مع الفريق الحاكم، أي مع فريق رئيس الجمهورية وحزب الله”.

 “حزب الله” يتحالف مع التيار الوطني الذي يهاجم وجود المسلمين في لبنان

الإشكال الكامن في تشكيل الحكومة اللبنانية يبدو في العلن أنه على حصص الحقائب الوزارية، ولكن الجوهر الأساسي هو “حزب الله”، حسب الكاتب والمحلل السياسي طوني بولس.

وأضاف بولس للأناضول، أن “حزب الله غير مستعجل لتشكيل الحكومة، خاصة إن كان غير قادر على تأمين حكومة يراها مناسبة له”.

واعتبر أن “رئيس الجمهورية، والعهد هما واجهة للحزب لعرقلة المسألة تحت عناوين مختلفة، وأهمها صلاحيات رئاسة الجمهورية”.

وختم بولس: “هدف حزب الله هو حكومة تحمي ظهر ما يصفه بالمقاومة، وهذا ما أعلن عنه الأمين العام للجماعة (حسن نصر الله) في أكثر من مناسبة، أي الحزب يود حكومة برئاسة الحريري، ولكن بمضمون حسان دياب”.

وفي 6 فبراير/ شباط 2006، وقّع نصر الله وعون، رئيس “التيار الوطني الحر” آنذاك، تفاهماً في كنيسة مار مخايل ببيروت، للعمل معاً في معالجة قضايا هامة، أبرزها “بناء الدولة”.

ومنذ ذلك الوقت، الفريقان متحالفان فيحمي التيار العوني مصالح حزب الله خاصةً الأمنية والعسكرية المثيرة للجدل، فيما يدعم حزب الله مواقف تيار عون السياسية في الحصول على نصيب الأسد من الحصص السياسية باعتباره الممثل الأكبر المسيحيين وصولاً إلى دعم تبوء عون الرئاسة بعد أن منع انتخاب أي شخصية وسطية بين قوى 8 آذار التي يقودها الحزب وعون وقوى 14 آذار التي تضم تيار المستقبل، وحزب القوات اللبنانية ثاني أكبر حزب مسيحي.

 الهدف توصيل باسيل للرئاسة

وبشأن ما يتردد عن تصلب مواقف عون في مشاورات تشكيل الحكومة اللبنانية لإفساح المجال أمام وصول زوج ابنته جبران باسيل، إلى سدة الرئاسة، لم ينفِ محمد نصر الله، النائب عن “حركة أمل” (شيعية)، التي يتزعمها رئيس البرلمان نبيه بري، الأمر ولكنه اكتفى بالقول: “لم يتحدث أحد بشكل مباشر في هذا الموضوع”.

استدرك قائلاً للأناضول: “لكن لا شك في أن معركة رئاسة الجمهورية لها علاقة بشكل أو بآخر، بعملية تشكيل الحكومة اللبنانية، لأن الحكومة المنتظرة من المفترض أن تكون حكومة الانتخابات النيابية القادمة (في 2022)، التي لها دور فاعل جداً في اختيار رئيس الجمهورية المقبل (ينتخبه أعضاء البرلمان)، لذلك الأمور مرتبطة ببعضها”.

جعجع يقلب الطاولة على عون

في مقابل تحريض التيار العوني على تيار المستقبل الذي وصل إلى التهجم على الوجود الإسلامي في لبنان، دعا رئيس حزب “القوات اللبنانية” سمير جعجع، الرئيس ميشال عون إلى الاستقالة، مطالباً بإجراء انتخابات برلمانية مبكرة، يعقبها انتخاب رئيس جديد للبلاد.

وجعجع هو رئيس حزب القوات اللبنانية ثاني أكبر مسيحي في البلاد ومنافس عون على زعامة الموارنة، وخاض الرجلان معارك ضارية خلال الحرب الأهلية، واستمر الصراع السياسي بينهما لسنوات، قبل أن يبرما تفاهماً لم يدم طويلاً.

واتهم جعجع، رئيس الجمهورية باللعب على “وتر الطائفية، لأنهم خسروا كل شيء، فعن أي حقوق مسيحيين يتكلمون؟”، دون مزيد تفاصيل.

وأشار إلى أن “الوقت لا يسمح للعمل على التمهيد للوزير جبران باسيل (صهر عون) للوصول إلى سدة الرئاسة، فالمشكلة ليست بصلاحيات أو حقوق مسيحيين، المشكلة هي بالإدارة الفعلية”.

وأضاف: “كل يومٍ التدهور يلحق بنا، وهناك من يلتهي بالحديث عن حقوق المسيحيين”.

ولم يصدر على الفور تعليق من الرئاسة اللبنانية على ما أورده جعجع.


عربي بوست – الأناضول