لهذه الأسباب يعتبر “حزب الله” أن “فترة السماح الحكومية” استُنفدت

ابراهيم بيرم – النهار

ترسخت خلال الايام الأخيرة لدى قسم واسع من الراصدين لموضوع تأليف الحكومة الموعودة مجموعة اعتبارات صارت بحكم الثوابت تحدد الاسباب الحائلة دون ولادة الحكومة التي طال انتظارها. وفي عِداد هذه الاسباب ما يتصل بحسابات طرفَي التأليف وانتظارهما وعوداً وعروضاً خارجية. وفي طيّات هذا الاستنتاج ثمة نظرية اكثر رواجاً، فحواها ان هناك استخداماً جلياً لعقدة تأخير التأليف واطالة امد الفراغ وما ينجم عنه من توترات داخلية انما منشأه ومنبته الحصول على ضمانات تحقق مثل هذه الوعود والعروض، مما يعني ان عقدة التأليف محلية المنشأ والصنع.




لم يعد خافياً ان “الثنائي الشيعي” صار اكثر المتبنّين لهذا الاستنتاج، لاسيما بعدما قدَّم الامين العام لـ “حزب الله ” السيد حسن نصرالله في إطلالته الاخيرة عرضاً سلساً ومرناً من شأن الالتزام بموجباته ان يفتح مخرجاً لطرفَي التأليف. وهذا العرض القائم ضمناً على “لا ثلث معطل لأي جهة في مقابل رفع عدد التشكيلة الى عشرين وزيراً” لا يفضي الى كسر اي من الطرفين او يظهرهما بمظهر المتراجع. كان واضحا ان ثمة من قرأ في طيات “عرض السيد” للحل نوعاً من قطع الطريق على المبادرة التي قدمها قبل فترة رئيس مجلس النواب نبيه بري (ثلاث ستات من دون ثلث ضامن). لكن مصادر قريبة من دوائر القرار في الحزب خالفت هذا الرأي واعتبرت طرح نصرالله لوناً من الوان تطوير مبادرة سيد عين التينة وجعلها اكثر مرونة وعملانية ليس إلا.

فبالنسبة الى الحزب لم يعد الوقت زمن تصارع او مزايدات بقدر ما هو لبحث اكثر جدية يفضي الى مخارج من المأزق. واكثر من اي وقت مضى لدى “الثنائي الشيعي” الجرأة على المجاهرة برؤية على قدر كبير من الحزم، وستكون موضع متابعة في قابل الايام. وتنهض هذه الرؤية على المرتكزات الآتية:
– لا يملك اي من طرفَي التأليف والتنازع ترف اطلاق التبريرات “لتشريع تأخير الولادة الحكومية”، فلقد باتت الحاجة الى رؤيتها تبصر النورعاجلاً ملحّة جداً، وتأخير ولادتها تحت اي سبب او ذريعة، عمل يرقى الى مرتبة الذنب الكبيراو الخطيئة.

– لقد حفلت الأوساط السياسية في الآونة الاخيرة بأكثر من طرح وعرض من شأن متابعتها تفكيك عقد التأليف الداخلي، وبامكان اتّباع احد هذه العروض او المزج بين بنودها ومندرجاتها إيجاد تسوية لا تريق ماء وجه الجميع من جهة، وتقطع الطريق نهائيا امام كل الذين يصرون على تعليق ازمة التأليف على مشجب تضارب حسابات الخارج.

ويبقى على عاتق طرفي التأليف مهمة ايجاد السبل الكفيلة بتحقيق “تحرر” كل منهما من عملية استدراجه لوعود الخارج. أي بمعنى اكثر وضوحاً، المطلوب فك ارتباط حسابات كل منهما باستدراج عروض الخارج.

واذا كان ثمة تمايز في السابق بين نظرة بري ورؤية الحزب في شأن الموضوع الحكومي وانحياز كل واحد منهما الى وجهة احد طرفي التأليف، فثمة من يقدم براهين حسية الآن على انهما باتا يتقاطعان عند موقف واحد هو ضرورة استيلاد الحكومة عاجلاً وعلى نحو لا يكسر احد طرفي التأليف بقطع النظر عن التبريرات التي يقدمها كل طرف.

ما من شك في ان موقف “الثنائي” الاكثر تلاصقا والاكثر حزما لا ينبع، وفق رؤية مصادر على صلة بهما، من منطلق “تبرئة الذمة” او الحصول على صك براءة من اية مسؤولية لأحدهما عن التأخير، بقدر ما هو صادر عن قراءة معمقة للمشهد المتأتي من التلكؤ في استيلاد الحكومة، إذ ليس خافيا ان اطالة امد الفراغ الحكومي وما تداعى عليه من ازمات ونزاعات شكَّل ويشكل ارضية خصبة لطروحات يعتبرها الحزب خطيرة من نوع الدعوة الى تدويل الازمة والتي قاربها نصرالله من منطلق “انها محرمات”. فضلاً عن ذلك، فان اطالة امد الفراغ وما يتناسل عنه هو ايضا، وبرأي المصادر عينها، مطرح مناسب تستفيد منه جهات مثل باريس التي تناهى الى علم “الثنائي” اخيرا انها تسعى لجعل الملف اللبناني واحدا من ملفات التفاوض الاميركي – الايراني الموعود، وهو امر يرفضه “الثنائي” ولن ترضى به طهران. وعليه صار “الثنائي” إياه على مساحة شك بان فرنسا تعمدت التراجع عن تفعيل مبادرة رئيسها وتزخيمها من اجل بلوغ ساعة يتاح لها فيها ادغام الملف اللبناني بملفات تلك المفاوضات.

وفي هذا السياق، يتوقف الحزب عند الكلام القائل بان “تفهم” الحزب لاعتراض الرئيس الحريري على الثلث المعطل في مقابل تبنّيه الدعوة الى حكومة عشرينية سبيلاً لفك المشكل، قد اثار حفيظة شريكه في “تفاهم مار مخايل” الذي افصح على لسان بعض رموزه انه وجد في موقف السيد نصرالله هذا نوعا من الانزياح نحو الحريري ومراعاة له، ويردّ بان موقفه هذا محسوب بدقة وينمّ عن رغبة اكيدة في انهاء التعثر الحالي وفتح ابواب التسوية درءاً لاحتمالات اكثر خطورة ودرامية، خصوصا ان مسار الامور لم يعد يحتمل الوقوف في المنطقة الرمادية.

وعليه، يفترض الحزب ان طرفي التأليف قد استنفدا حساباتهما ورهاناتهما. فالرئيس عون يُفترَض ان يكون استنتج ان للصبر حدوداً، فيما يُفترض ان الرئيس الحريري قام بما ينبغي ان يقوم به من اتصالات وجهود، وقد جال على اربع عواصم وحصل على وعود بالمساندة، وما عليه الا الانتظار، ويُفترض ايضا ان تكون لديه خطط بديلة.

وعلى العموم، يرى الحزب ان فترة السماح للطرفين قد انتهت، وان المماطلة باتت عديمة النفع، وحان الوقت للإقدام.