مطالَبة برفع التعرفة في المستشفيات… بين التهديد والواقع “راحت على المواطن”

ليلي جرجس – النهار

ما جرى مع مستشفى كليمنصو الطبي قد يتكرر في مستشفى آخر. الضمان قال كلمته هذه المرة وفسخ العقد مع كليمنصو نتيجة عدم التزامه بالتعرفة المحددة وإجبار المريض على دفع فروقات مالية ضخمة. لم يعدّ خافياً على أحد أن بعض ال#مستشفيات يستغل الظروف لرفع التعرفة. الكل يريد أن يضغط لمصحلته وفي نهاية المطاف يدفع المواطن وحده ثمن هذا التخبط والفوضى.
رفعت المستشفيات الصوت متذرعةً بما تتكبده من خسائر نتيجة سعر صرف الدولار في السوق السوداء، لكن هل يمكن للمواطن أن يدفع ثمن هذه الفروقات في حال لم توافق الجهات الضامنة على طلب المستشفيات؟
يشهد القطاع الصحي اليوم انتكاسة إدارية-مالية، فمن جهة يجد نفسه عاجزاً أمام شروط مستوردي المستلزمات الطبية الذين بدورهم يرمون الكرة في ملعب مصرف لبنان، ومن جهة أخرى يجد المواطن نفسه مسلوباً لا حول له ولا قوة، و”العترة ع يلي ما معو”. فلا المواطن قادر على دفع الفروقات،ولا الجهات الضامنة بإمكانها تلقف هذه الزيادة.
هذا وكان وزير الصحة في حكومة تصريف الاعمال حمد حسن قد حسم الأمر دون تأويلات وسيناريوهات مطروحة، جازماً في الأشهر الماضية أنه “طول ما هو الدولار الرسمي محدد من مصرف لبنان والدعم مستمر، زيادة تعرفة المستشفيات ورفع سعر الدواء مش مطروح؛ وزارة الصحة تعمل بموجب القانون اللبناني وعلى الكل المشاركة بالحل مش بالعكس؛ بكفّي مزايدات على حساب أعصاب الناس ووجعها”.
وفي ظل الأزمة الصحية التي تعصف بالعالم ومنها لبنان، لم تجد المستشفيات سوى هذه الوسيلة للضغط على الدولة لإيجاد حل يتحمل مسؤولية هذه الفوارق. فهل ترفع سقف التحدي أكثر في حال لم تلقَ جواباً؟ وهل ترفض المستشفيات استقبال المرضى في حال لم تتحقق مطالبها، أما يكون على المواطن دفع  الثمن  مرة جديدة؟ باختصار الدولة مفلسة والمواطن منهوب!
يؤكد نقيب المستشفيات الخاصة الدكتور سليمان هارون لـ”النهار” أنه “أرسل كتباً إلى الجهات الضامنة (من وزارة الصحة إلى الضمان والتعاونية والجيش) لرفع تعرفة المستشفيات على سعر مصرف لبنان أي 3900، لأنه لم يعد باستطاعتنا الأستمرار بهذا الوضع. نحن اليوم ندفع وفق سعر صرف الدولار بالسوق السوداء، ويتراوح الدولار بين 3900 و9 آلاف ليرة لبنانية”.
وعن زيادة التعرفة وقيمتها في القطاع الإستشفائي، يوضح النقيب أن “الزيادة قد تصل إلى 70-80%، وعلى الجهات الضامنة أن توافق على هذه الزيادة، ونحن على معرفة تامة أن المواطن غير قادر على تحمل هذه الكلفة بمفرده”.
وفي حال لم توافق على هذا الطلب، يشدد هارون على أننا “لن نستمر في هذا الوضع، والمستشفيات ستكون أمام واقع الإفلاس. وبالرغم من كل دعواتنا وصرخاتنا لم يتحرك أحد حتى الساعة. ولا يمكن لبعض الإجراءات ضد بعض المستشفيات أن تعالج هذه المشكلة، هناك واقع ثابت على الأرض نتيجة الغلاء المستشري، ولن تنفع بعض الإنذارات وفسخ العقود في معالجة المشكلة، لذلك يجب النظر إلى مطالبنا بواقعية وموضوعية”.
لسنا مسؤولين عن الخراب

وعن قدرة الجهات الضامنة في رفع هذه السقوف في ظل الأزمة المالية التي تعصف بالبلد، يتساءل النقيب عن الحل، ويقول: “ما نطالب به هو حل وسطي يأخذ بعين الاعتبار تفاوت الاسعار ونعتمد سعر مصرف لبنان وليس السوق. كل ما نطالب به تطبيق السعر الرسمي الذي يحدده مصرف لبنان. فما نخسره اليوم في القطاع الاستشفائي كارثي خصوصاً في غسيل الكلى الذي يُكبدنا خسائر كبيرة. ولقد أعدنا دراسة تكشف خسارة المستشفى 70 ألف ليرة لكل جلسة، إذ كلفة الجلسة الواحدة كانت 154 ألف ليرة أي ما يعادل 100$ واليوم أصبحت هذه الكلفة توازي 18$. كيف يمكن إجراء جلسة غسيل كلى في 18$؟ أما كلفة الغرفة كانت 90 ألفاً أي ما يعادل 60$ أما اليوم فلم تعد تساوي أكثر من 10$”.
مشيراً إلى أننا “أمام خيارين، إما التوقف عن استقبال المرضى أو زيادة التعرفة على المريض. الكل يتقاذف المسؤولية، مستوردو المستلزمات الطبية يرمون الكرة في ملعب مصرف لبنان بحجة التأخر في الحصول على الموافقة للاستيراد وعدم الحصول على أموالهم، في حين يؤكد الأخير عدم وجود تأخير. لذلك أطالب وزير الصحة بمعرفة الحقيقة ومعرفة ما يجري لمعالجته”.
ويختم قائلاً: “لسنا مسؤولين عن خراب الوضع، فليتحملوا المسؤولية وعدم محاسبة المستشفيات على ردة فعلها. عليهم إيجاد الحلول وإلا نحن أمام فوضى وخراب”.
 
المستشفيات جنت مبالغ طائلة في السابق
 
في حين يشرح رئيس اللجنة الصحية النيابية الدكتور عاصم عراجي لـ”النهار” أنه “في حال رفع أسعار الدواء والمستلزمات الطبية في المستشفيات عندها سيدفع المواطن ثمن هذه الزيادة لأن الجهات الضامنة أعلنت بكل صراحة عدم قدرتها على تحمل هذه الزيادة. فالضمان الصحي بحاجة إلى 400 مليار سنوياً للفاتورة الدوائية، اذا رفعنا السعر إلى 3900 سنكون أمام قيمة 1200 مليار، أما في حال رفعنا الدعم كاملاً سيُكلفنا ذلك 2400 مليار ليرة. ولن تتمكن الجهات الضامنة من تحمل هذه المبالغ وبالتالي ستتوقف عن العمل”.
لقد جنت المستشفيات مبالغ طائلة من الدولة في السنوات الماضية، ويضيف عراجي: “في الوقت الحاضر يحاسب المستشفى على 3900 ويُجبر المريض على دفع الفارق، وبالتالي يقع المريض ضحية هذا التخبط المالي الموجود في البلد. علماً أن المستشفى لا يخسر بل يربح وكذلك المستوردين والدولة نُهبت والمواطن يدفع الثمن”.
شكّلت بعض القصص التي تشاركها أهالي مرضى #كورونا دليلاً على جشع بعض المستشفيات التي كانت تطلب الملايين لمعالجة المريض على حسابه الخاص أو نتيجة الفوارق المادية بين الجهات الضامنة وفاتورة المستشفى.
شد حبال

ويوضح عراجي أن “مصرف لبنان دفع لمستوردي المستلزمات الطبية 200 مليون دولار ويتبقى 40 مليون دولار. وهذا الواقع ليس بجديد، فهذا التأخير كان يحصل حتى في السنوات السابقة، كما هي الحال مع الفواتير الاستشفائية، إلا أننا نشهد اليوم شد حبال نتيجة الأزمة المالية في البلد والكل يريد استحصال أمواله خوفاً من إفلاس الدولة. علماً ان الدولة تتحمل مسؤولية عدم تسعير المستلزمات الطبية، ما يجعل التجار يُسعرونها أحياناً بأسعار خيالية ومرتفعة”.
برأي عراجي ما نحتاج إليه “بعد تجربة كورونا والواقع الاقتصادي، إعادة تنظيم للقطاع الصحي وإلا سنكون أمام مشاهد أمنية أمام المستشفيات. ليس خافياً على أحد أن كل القطاعات التي كانت تتعامل مع وزارة الصحة جنت أموالاً طائلة، لذلك آن الأوان لتنظيم القطاع وإلا نحن أمام كارثة صحية كبيرة”.