//Put this in the section //Vbout Automation

«غابة» السياسة و«حرية التعبير» بخمس طلقات!

تقدّم كتب ديزموند موريس الكثيرة، التي اشتغلت على قراءة الظواهر البشريّة من وجهة نظر عالم الحيوان، أدلة لا حصر لها على أهمية العودة الدائمة إلى الجذور السحيقة لسلوكيات البشر لفهم أسباب تصرفاتنا، وإشاراتنا، وطرق لبسنا وأكلنا وممارساتنا الاجتماعية، وحتى سلوكياتنا السياسية العامة والعاطفية والجنسية الخاصة.
إحدى الأمثلة البسيطة التي يشير إليها موريس في كتابه «القرد العاري» هي طريقة التعامل الفضلى مع رجل السلطة، مثلما يحصل عندما يوقف شرطي سيارتنا بسبب مخالفة مرورية، فعلينا، حسب «بروتوكولات» الغابة، أن نعتذر عن الخطأ، كما يفعل القرود ضمن بروتوكولات السلامة لديهم، لأن التحدّي والعنف اللفظي والإساءة للشرطي (أو للقرد الزعيم) ستؤدي بنا إلى عواقب وخيمة.
غير أن المغرمين بمراقبة سلوك الحيوان، واستخلاص نتائج مفيدة من تلك المراقبة، سيلاحظون أيضا أن غريزة البقاء، التي هي من أقوى الغرائز في مملكة الحيوان (والبشر) تكشف أحيانا ظواهر مدهشة، فكثير منا لا بد أنه شاهد عشرات اللقطات المصوّرة لحيوان صغير ضعيف، مثل الهرّة، تهاجم أسدا هصورا فترعبه، وأن وعولا تجابه قطيع ضباع كاسرة فتهزمها، وأن هذه الخاصية البسيطة انتقلت إلى عالم البشر، بحيث يهزم داود العملاق جوليات، ويقوم شخص مثل هانيبعل القرطاجي بتهديد الإمبراطورية الرومانية لعشرات السنوات، وتنطلق قبائل بدوية بسيطة من منغوليا فتكسر نظما ودولا وعروشا وتؤسس أكبر امبراطورية قارية برية في التاريخ. يحترم الضعيف، في قوانين الغابة البشرية، قوانين القويّ، ولكنّه لا يكفّ عن التلاعب بها، والسخرية منها، والعبث بأصحابها، ولا تلبث أدوات التلاعب والسخرية والعبث، أن تنقلب أحيانا إلى عواصف هادرة كاسرة تطيح بقوانين القويّ وتغيّر موازين القوة ومعانيها.

كأنك في جفن الردى وهو نائم




تتوافر في حياة لقمان سليم ومماته عناصر عديدة تجمع بين التلاعب والسخرية والعبث، بالتحدّي والمواجهة والعنف، الذي انتهى باغتياله، ويشكل حدث مقتله، أنموذجا عن طريقة عمل غابة السياسة في لبنان، بما فيها تكتيكات واستراتيجيات المستضعفين في مقابل استراتيجيات وتكتيكات الأقوياء. لخّصت مجمل التوصيفات لقمان سليم بولادته في حارة حريك في الضاحية الجنوبية لبيروت، لعائلة عربية شيعية، كان الوالد فيها نائبا في البرلمان، ومن أنصار العميد ريمون إده، وأن لقمان الكاتب والناشر والناشط السياسي عُرف بـ«معارضته لحزب الله» اللبناني، وأن اغتياله تم بأربع رصاصات في الرأس وخامسة في الظهر.
يمتحّ إرث سليم من التعدد الإنساني والانفتاح على الآخر، فوالده تزوج بمصرية مسيحية، وزوجته هي المخرجة الألمانية مونيكا بورغمان، كما يمتحّ من التشيّع المنفتح، الذي يصبّ في أفق التجديد (هو وأخته الكاتبة رشا الأمير أسسا دارا للنشر باسم «الجديد») والبحث عن الحقيقة وتوثيقها (عبر إنشائه مركز «أمم» للأبحاث والتوثيق) والتمرّد على السياق العامّ (نشر كتب يحظرها الأمن) بما في ذلك التمرد على التشيّع الطائفيّ عبر الانفتاح على الآخر معرفيا وسياسيا، والمساهمة في الإصلاح السياسي للهوية (نشر كتابات محمد خاتمي، الرئيس الإصلاحي الإيراني السابق) والانخراط في النشاط المدني العام (إنشاء جمعية المحور اللبناني في سبيل مواطنية جامعة).
انتبه الكاتب السوري حسام جزماتي، إلى بعض تفاصيل السخرية من السياق التقليدي للديني – السياسيّ في شخصية سليم، بدءا من جملة «عبث وتولّى» التي وضعها على صفحته في «فيسبوك» مرورا بضحكته الهازئة وتلاعبه بالممنوع البسيط، عبر التدخين السريع لخداع جهاز الإنذار، ولخص جزماتي بذلك هذه الاستعارة الكبرى التي تلخّص جزءا كبيرا من شخصية سليم وحياته… وموته.
تذكر تفاصيل من كتبوا عن سليم، أنه كان يحب شعر المتنبي، وذكرت بعض الأنباء أن عائلته قررت وضع بيت شعر للشاعر العربيّ الشهير المذكور على شهادة قبره، وقد اقترح الشاعر والكاتب السوري ماهر شرف الدين بيتا للمتنبي يقول فيه: وهكذا كنت في أهلي وفي وطني/إن النفيس غريب حيثما كانا» ولعلّ سكنى سليم في الضاحية الجنوبية، حيث حاصر بعض مناصري «حزب الله» بيته مرة، ووصفوه بالخائن والعميل وطالبوا بقتله تحت شعار: «المجد لكاتم الصوت» أقرب إلى شطر بيت المتنبي في وصف سيف الدولة الذي يقول: كأنك في جفن الردى وهو نائم.

التمثل بالعدو وقتل الخائن

يتدرج وجود سليم على مقربة من أنفاس «حزب الله» في الضاحية الجنوبية، وظهوره المتكرر على وسائل الإعلام لانتقاد الحزب (بما في ذلك تصريحه بأن الحزب منظمة إجرامية إرهابية) ضمن أشكال من السخرية العابثة التي يستطيع الحزب، بمقابلتها بما يعكس اختلال ميزان القوى الهائل (إذا جاز هذا التعبير) بين الطرفين، بأشكال من التهديد والوعيد، تصل إلى ما يشبه إعلان لحكم الإعدام وهدر الدم، كما حصل حين نشرت صحيفة محسوبة على الحزب تقريرا يربطه بعلاقة مع أمريكا وإسرائيل، مستخدمة شعار منظمته المدنية «هيا بنا» في عنوان: «هيا بنا إلى تل أبيب» في تطوير بلاغي لائق من «المجد لكاتم الصوت» للنصير المسلّح إلى «هيّا نقتل الخائن» الصادرة عن الصحافي المنخرط في تلفيق مشروع ثقافي لماكينة الحزب السياسية والأمنية. من غير المفيد، ضمن هذا السياق، إنكار وجود صراع إقليمي كبير بين إيران وميليشياتها على امتداد الجغرافيا العربية (والتي يحتل «حزب الله» وزنا كبيرا فيها) مع إسرائيل، لكنّه من غير المنطقيّ أيضا، إنكار أن القاسم المشترك بين الطرفين، هو العداء للثورات العربية، وأن الطرفين تسابقا على تخديم نظم الاستبداد العربية، فالغرام الإسرائيلي بالحلف المصريّ ـ السعودي ـ الإماراتي واضح للناظرين، كما أن السياسة الخارجية الإيرانية لعبت دورا فاعلا في كسر الثورات العربية، وخصوصا في سوريا والعراق واليمن، ولم تساهم بتحويلها إلى صراعات مذهبية قاتلة فحسب، بل شاركت في تصنيع أدوات هذه الصراعات، من «الحشد الشعبي» إلى «الدولة الإسلامية» بحيث يصبح الانتصار على «القاعدة» و«الدولة» انتصارا للشيعة على حواضن السنّة، وخنقا للفكرة الوطنية العراقية أو السورية أو اللبنانية.
قدّم الأكاديمي والكاتب اللبناني زياد ماجد مقاربة فذة، تشابهات بين ماكينة «حزب الله» والمنظومة الإسرائيلية، يتجاوز الجانب العسكري إلى الخطابة والذرائع، فقد استخدم الحزب، خلال اجتياحه لمناطق سورية، المنطق الاستباقي الإسرائيلي، بالحديث عن «تأمين سلامة اللبنانيين» وهو ما يشبه ذريعة «سلامة الأراضي الإسرائيلية» التي استخدمتها تل أبيب في عملياتها في الجغرافيا اللبنانية، كما أن حجج الدفاع عن الأضرحة والمزارات، تتشابه مع حجج المستوطنين في الخليل وهيكل سليمان وغيرها، كما انتبه ماجد إلى تشابهات أخرى بين الحزب وخصمه الإسرائيلي، منها الحديث عن المظلومية والتهميش والقمع، بالتزامن مع بناء القوة العسكرية و«الذراع الطويلة» التي تمتد من سوريا والعراق إلى اليمن.
من المثير، بعد هذا كله، الحديث عمّن قتل لقمان، فالقاتل تقصّد في طريقة القتل توصيل الرسالة المعلومة، وهي إنهاء اللعبة التي كان ناسجو المشروع «الثقافي» للحزب باللعب في دائرتها، عبر التخوين والسخرية وهدر الأرواح، ثم بالحديث بعد الجريمة عن «حرية التعبير» ولمحازبيه بالتهديد بكاتم الصوت. لم يرد القاتل رسالة غير القتل. لا نظن أن القاتل احتسب أن إخفاء الجثمان يهدد بوصول القتيل إلى حقل الغياب المقدّس (دخوله في «غيبة كبرى» على سبيل المثال) والأمر كلّه يتعلّق، كما صرّح نجل زعيم الحزب في تغريدة، بميزان الربح والخسارة، ولكن السؤال الآن: من الذي خسر؟
سمّي المسدّس (الذي يسميه العامّة «الفرد»!) حسب أقوال، مسدسا لأنه يحتوي ست طلقات. على الأغلب، أن قاتل لقمان، لم يستخدم «كاتم صوت» لأنه كان يريد لصوت الطلقة أن يُسمع، أو لعدم اكتراثه بمن يسمعها، ولا نعلم إن كانت الرصاصة في ظهر لقمان هي الأولى قبل أربع طلقات في الرأس أم الأخيرة، وهل هناك دلالة يمكن استخلاصها من ذلك، فالطعن في الظهر، معادل في الأدبيات العالمية، الغدر. بقيت في «فرد» القاتل طلقة واحدة، وهي كافية، لقتل فرد واحد، لكنه يعادل، وبقتله، كما يقول القرآن، فكأنك قتلت الناس جميعا.


«القدس العربي»