“فالانتاين” يثقل كاهل اللبنانيين.. الحب بالدولار

يغيب اللون الأحمر عن شوارع العاصمة اللبنانية بيروت في زمن “فالنتاين”، الإغلاق العام بسبب جائحة كورونا فرض لوناً رمادياً عاماً على المشهد. لا دببة حمراء “مشنوقة” في الشوارع، ولا الورد الأحمر وجد سبيله إلى الأرصفة، الحفلات بالمناسبة معدومة، والمطاعم عاجزة عن احتضان العشاق في عيدهم.

ما يغيب عن أرض الواقع، يحضر على الجانب الافتراضي. تعج مواقع التواصل الاجتماعي بالإعلانات والعروض الحمراء. المتاجر تحاول التعويض عن الإغلاق في زمن الانهيار الاقتصادي عبر التسوق الإلكتروني وخدمة التوصيل المجاني، وعلى هذه المنصات لا تختبئ الأسعار في زوايا الرفوف، بل تظهر بارزة على الشاشات، لتكشف معها كم بات الحب سلعة باهظة الثمن في لبنان.




ولتبيان ذلك، تجدر الإشارة إلى أن الحد الأدنى للأجور في لبنان يبلغ 675 ألف ليرة لبنانية، كان هذا المبلغ يساوي مع بداية عام 2020 نحو 450$، انخفض اليوم ليساوي 77$ بحسب سعر صرف السوق، في حين أن البلاد لم تشهد منذ بداية الانهيار المالي أي تصحيح للأجور، رغم أن السلع تضاعفت أسعارها لتلحق بالدولار، أي أن النسبة الأكبر من العمال والموظفين لا يزالون يتقاضون الرواتب نفسها فاقدة نحو 80 في المئة من قيمتها وقدرتها الشرائية. من هنا يمكن فهم حجم التكاليف والغلاء الفاحش في الأسواق.

الحب بالعملة الصعبة

داني الذي يتحضر لأول عيد عشاق يجمعه بحبيبته هذا العام، يبلغ راتبه مليونان و100 ألف ليرة، كانت تساوي 1400 دولار العام الماضي، باتت تناهز 240 دولارا، بحسب سعر صرف السوق. “كلفني حجز غرفة في فندق 3 نجوم 400 آلف ليرة، وتصل التكلفة إلى 600 ألف مع زجاجة نبيذ وعشاء رومنسي “خفيف” في الفندق نفسه، إضافة إلى 3 شموع صغيرة، وبعض أوراق الورد الاصطناعي المنثورة على السرير، وهذا عرض خاص، بعض الفنادق تجاوز سعر الليلة فيها المليون ليرة وأكثر، أضف هدية رمزية يدوية الصنع بـ 200 ألف وباقة ورد صغير (7 ورود) بـ100 ألف”.

على الناحية الأخرى، تبحث ندى عن “لانجري” (ملابس داخلية) تفاجئ بها زوجها ليلة “العيد”، تقول ساخرة “تفاجأت أنا قبله”. منذ العام الماضي، لم يكن شراء هذه الألبسة ضمن الأولويات التي فرضها الواقع المعيشي المتدهور على مصاريف ندى، “فكرت بأنني أستحق وزوجي بعض المرح في هذه الأيام الكئيبة” تقول لموقع “الحرة”، وتستدرك “أقسم أنني لا زلت أشعر بالذنب، كلفتني قطعة الملابس هذه 200 ألف ليرة بينما لم يكن يتجاوز سعرها الـ 80 ألفاً في العام الماضي، رغم انها ليست من الماركات المعروفة.”

يزداد الموقف سخرية وخجلاً عند الحديث عن الألعاب الجنسية التي اعتادت ندى على تبادلها مع زوجها كهدايا مضحكة في هذا اليوم، “بات اللعب والمزاح مكلفاً، كل الأسعار بالدولار”.

“يا ورد مين يشتريك”؟

كامل صاحب محل ورود وأزهار قرب دوار “الطيونة” في بيروت، يشرح لموقع “الحرة” حال الموسم وأسعاره لهذا العام. “سعر وردة الجوري الحمراء يبلغ 10 آلاف ليرة، قبل 3 أيام من موعد “فالنتاين”، وقد يبلغ 30 ألفاً وربما أكثر إذا ما سار السوق كما العادة بلعبة الاحتكار والاستغلال يوم العيد، حيث يعمد التجار للإيحاء بانقطاع الورد كي يرفعوا من سعره.

العام الماضي حمل موسماً سيئاً بسبب ارتفاع الأسعار، بحسب كامل، كان سعر الوردة 7 آلاف ليرة فقط والدزينة المزينة (بوكيه وسط) 100 أو 120 ألفا، سعر الـ “بوكيه” اليوم يبلغ 165 ألفاً ولا شك سيتجاوز الـ200 ألف يوم العيد، “سيمتنع الناس عن شراء الورد، أو أنهم سيكتفون بوردة واحدة تحمل رمزيتها” يتوقع كامل وفي حديثه حسرة على “مصلحته” التي باتت في آخر سلم الكماليات هذه الأيام.

يحمّل الرجل الستيني “التجار الكبار” مسؤولية التلاعب بالأسواق وإفراغ العيد من رمزيته عبر تسليعه، “يحتكرون السوق ويرفعون الأسعار بعملية ابتزاز للباعة والزبائن على حد سواء، متكلين على حجم الطلب الكبير في “فالنتاين”، هؤلاء انفسهم، يصدرون الكميات الأكبر من الورد الجوري البلدي ذو الجودة الممتازة والرائحة القوية إلى الخارج بالدولار، ويستوردون اصنافاً منعدمة الرائحة من الخارج ويبيعونها على سعر الدولار المرتفع بحجة انها أجنبية، فيضاعفون أرباحهم على حساب السوق المحلي.”

“الدبدوب” براتب شهري

يزدحم منزل محمد بالهدايا الموضبة للتوزيع على الزبائن، المتجر بصيغته الإلكترونية لا يعوض عليه خسائر الإغلاق في الموسم، فالإقبال ضعيف جدا ولكنه يبقى “أفضل من لا شيء” على حد تعبيره.

“الدبدوب” الأحمر من أشهر هدايا فالنتاين وأكثرها شعبية في لبنان. عبرها يمكن الاطلاع على سوق الهدايا بشكل عام وتكلفتها الجديدة. “كان سعر الدب الكبير، بطول متر ونصف نحو 250 ألف ليرة في العام الماضي، اشتريته هذا العام بـ700 ألف وفق سعر الجملة، عرضته للبيع بـ900 ألف بعد احتساب الأرباح وتكاليف التوصيل، حتى الآن لم يشتره أحد ولا استغرب فتكلفته باتت تساوي راتباً شهرياً كاملاً.”

ينخفض سعر الدب كلما صغر حجمه، أصغرها يكلف 50 ألف ليرة، ويتوفر قياسات أخرى تتراوح من 120 إلى 300 ألف. وبحسب محمد تضاعفت أسعار الهدايا بشكل عام 5 أو 6 مرات، ولا يقل معدل سعر الهدية المقبولة عن الـ250 ألف ليرة، يكشف محمد أن معظم تجار الجملة، يوزعون على المتاجر ما كانوا يخزنونه من العام الماضي، ويصرون على بيعه بسعر الدولار حالياً “لدي معلومات أكيدة أن أحداً لم يستورد دببة من الصين هذا العام، كلها بضاعة العام الماضي، الجشع يدفعهم لبيعها بأسعار جديدة بدلا من التوفير ولو بجزء بسيط على المواطنين”.

“يأتي بعض الناس إليّ ومعهم 50 ألف ليرة، يريدون هدية، فيما تكلفني العلبة الكرتونية المزينة للهدية نحو 7$ أي 61 ألف ليرة”، يقول محمد، “أعمل بسعر التكلفة وبخسارة في بعض الأحيان لأنني أشعر مع الناس وأحوالها، وضميري لا يسمح لي أن أرد انساناً خائباً يريد هدية ليعبر عن حبه، وكأن الحب لم يعد للفقراء في هذا البلد”.


الحرة