لا تتأمَّلوا في قطر فهي لم تَعُد “كرماً على درب”

سركيس نعوم – النهار

زيارة وزير خارجيّة قطر إلى لبنان أخيراً لا يمكن أن تكون لها نتيجة عمليّة على الأقل في المرحلة الراهنة رغم أنّ المسؤولين فيه وكذلك شعوبه أو بعضها يتمنّون أن تُسفر عن أمرٍ واحدٍ هم في حاجة ماسّة إليه اليوم هو “فكّ دكّتها”، ومنح لبنان هبة ماليّة أو وضع وديعة ماليّة في مصرفه المركزي أو الإنخراط في تمويل مشروعٍ حيويّ أو أكثر. إذ من شأن ذلك كلِّه التخفيف من حدَّة التدهور الاقتصادي والمالي والنقدي وربّما تحريك عجلة الإنتاج.
ومن شأن ذلك أيضاً وقف انحدار اللبنانيّين إلى أدنى درجات الفقر والعَوَز. طبعاً قد يتمنّى هؤلاء أو بعضهم عودة قطر إلى المبادرة في الشأن السياسي على النحو الذي قامت به بعد “احتلال” “حزب الله” نصف وسط بيروت عام 2007، ثمّ مشاركة فريق 14 آذار له في “احتلال” نصفه الآخر، والذي أثمر اتفاقاً على رئيسٍ هو العماد ميشال سليمان وانتخابه، وحلّاً هو في الحقيقة “بدعة” لازمة لتأليف الحكومة الأولى في عهده وقد تضمَّن أمرين. الأوّل تسمية وزير ملك فيها يُفترض أن يكون مُحايداً. إذ أنّ مُهمّته ستكون ضمان بقاء الحكومة والسهر على تذليل صعوبات عملها نظراً إلى تركيبتها المُتناقضة وأيضاً إذ أنّ إخفاقها في ذلك لا بدّ أن يدفعه إلى الاستقالة وإلى جر الحكومة كلّها معه إلى هذا المصير. الثاني تخصيص رئيس الجمهوريّة بحصّة وزاريّة كانت في حينه “الوزير الملك”. وهذا أمرٌ مُخالف للدستور ومُنتقصٌ لصلاحيّات الرئاسة وهيبتها لأنّ شاغلها لا يُصوِّت في مجلس الوزراء، ولأنّه ليس جزءاً من السلطة التنفيذيّة في البلاد.
لاحقاً توسَّعت الحصَّة الرئاسيّة وخصوصاً بعدما اندمجت مع حصّة “التيّار” الذي أسَّسه الرئيس الذي خلف سليمان في قصر بعبدا بعدما صار تمثيله وتيّاره واحداً فتحوَّل فريقاً ولم يعُد حكماً، كما نصَّ الدستور عند تحديد صلاحيّاته. علماً أنّ “الوزير الملك” لم يكن في حينه للرئيس سليمان فعلاً ربّما رغم رغبته في البقاء كذلك. لكنّ تركيبة لبنان جعلته “وديعة” لـ”حزب الله” في الحكومة تُشكِّل استقالته إشارة إلى أنّ “الحزب” قرَّر فرط الحكومة. وقد حصل ذلك فعلاً. طبعاً يقول البعض أنّ قطر كانت عارفة بذلك. لكنّها أرادت المُساعدة على إعادة الاستقرار الحكومي والسياسي والشارعي إلى لبنان، ولم يكن في إمكانها فرض الحلول الفعليّة ولا اجتراح حلولٍ عجائبيّة.
فضلاً عن إرادتها في الوقت نفسه إفهام شقيقاتها وتحديداً الخليجيّات أنّها فاعلة مثلها في لبنان والمنطقة رغم عدم تساوي الديموغرافيا والجغرافيا القطريّتين معها، ورغم ثروتها الغازيّة الهائلة وعائداتها الماليّة. طبعاً أعطى اللبنانيّون، ولا سيّما المستفيدون منهم من “اتفاق الدوحة” انطباعاً أنّه “طائفٍ” جديد أو مُعدَّل. لكنّ ذلك كان مبالغة بل لم يكن صحيحاً في المُطلق.
هذا ما اكتشفه اللبنانيّون لاحقاً. طبعاً لا يعني ذلك أنّ قطر لا تُفكِّر أو ربّما لا تحلم بدور جديد في لبنان، لكنّها تعرف أنّ الظروف مختلفة اليوم. فهي طالعة من وضع سياسيٍّ إقليميّ وتحديداً خليجيّ وعربيّ صعب، كما من وضع ماليٍّ دقيق من دون أن يعني ذلك أنّها لم تعد بالغة الثراء وأنّها خسرت ثروتها الطبيعيّة ومواردها الماليّة. لكنّ الحصار الذي ضربته عليها دول مجلس التعاون الخليجي بقيادة السعوديّة والبحرين والإمارات والشقيقة العربيّة الأكبر ديموغرافيّاً وجغرافيّاً وعسكريّاً مصر، كلّفها الكثير من المال. إذ اضطُرَّت إلى الاستعانة بتركيا وإيران لتأمين ما تحتاج إليه من مواد استهلاكيّة وغيرها، وبالثانية لتسيير طيرانها التجاري المدني بعدما أغلقت السعوديّة أجواءها في وجهه والحدود البريّة فلم يبقَ لها سوى البحر. إلّا أنّ قطر تعرف أنّ عودتها إلى دورٍ في لبنان لم يحِن أوانها بعد. فالمصالحة مع أخصامها في “مجلس التعاون” حديثة وتمّت “مبارح العصر” كما يُقال. كما أنّها قد تميل إلى محاولة استحقاق دورٍ لها في التقريب بين السعوديّة وإيران، وفي تسهيل الإعداد لمفاوضات مُثمرة لاحقاً بين واشنطن وطهران. هذا فضلاً عن أنّ “الإخوان المسلمين” الذين ترعاهم من زمان والذين حمتهم بعدما بدأت مصر وحلفائها في “مجلس التعاون” ملاحقتهم لإضعافهم ومنعهم من تهديد أمنهم كلِّهم. وفضلاً أيضاً عن أنّها تستضيف ومنذ مدَّة مفاوضات بين أميركا وحركة “الطالبان” الأفغانيّة.
في اختصار “عادت” قطر إلى لبنان لتهيئة نفسها للقيام بدورٍ أو تحرّكِ ما في العالم العربي. ولبنان مُفيد لتحقيق هذا الهدف، لكنّه كدولة أو ساحة لم يعُد مُغرياً لها الآن كي تهتمّ به، ولا سيّما لأنّه مُنقسمٌ شعوباً وطوائف ومذاهب ولأنّ لكلٍّ منها “ربّاً يحميه” أو “ديناً” رسميّاً لدولة أو “مذهباً” رسميّاً لدولة أيضاً. والدخول بينهم لن يكون مُنتجاً ولا فاعلاً ولا ناجحاً. في اختصار لا قرار رسميّ عند قطر اليوم بتحرُّك سياسيّ في لبنان وبمساعدته ماليّاً. وهي ربّما تنتظر اتّضاح الأمور في المنطقة ومعرفة اتّجاه أزماتها سواء الى انفراج أو الى مزيدٍ من الاستعصاء على الحلول ومن الحروب. لكن إذا شُكِّلت حكومة فيه واتّجه نحو استقرار نسبيّ فإنّ قطر قد تُساهم في ترتيب أوضاعه الاقتصاديّة والماليّة ولا سيّما إذا رأت بأُمِّ العين اتفاقاً رسميّاً بين لبنان وصندوق النقد الدولي على العمل معاً لإيجاد حلولٍ لأزمته الماليّة، وبداية عملٍ جديٍّ لإجراء تحقيق في ممارسات مصرف لبنان والمصارف الخاصّة وإدارات الدولة ومُؤسّساتها وأجهزتها، وذلك بهدف كشف الفساد الشامل البلاد كلِّها واستعادة ما يُسمّى المال المنهوب. فهي غير مُستعدَّة لأن “تكبَّ” المال فيه كما كانت تفعل في السابق ومعها شقيقاتها الخليجيّات. والإشارة المُهمّة لذلك لا يمكن أن تكون إلّا حكومة توحي الثقة لشعوب لبنان أوّلاً ثمَّ للدول العربيّة والمجتمع الدولي.
فهل ينجح لبنان في ذلك، وهل سيتمكَّن ماكرون رئيس فرنسا من إقناع “أمرائه” بتنفيذ مبادرته الحكوميّة التي أطلقها بعد انفجار مرفأ بيروت أو تفجيره في 4 آب الماضي؟