//Put this in the section //Vbout Automation

تحية مُستحقّة إلى أسامة سعد

قاسم يوسف – أساس ميديا

عادة المقالات أن تستحضر الحجج والبراهين وتسرد الأسباب الموجبة. تشرحها. تُناقشها. تُوثقها. ثم تخرج بعدذاك بخلاصة مُدعّمة وواضحة. المفارقة هنا أنّ الخلاصة لا تحتمل التأجيل. ولذلك كان لا بدّ أن نبدأ هذا المقال على نحو معاكس: تحية احترام وتقدير إلى أسامة سعد.




لكن لماذا التحية؟ ولماذا لا تحتمل الانتظار؟

لأنّها ببساطة جاءت بعد ظلم مديد، وقد استحالت الآن مُستحقة وواجبة، بل ومدخلاً ضروريًا وشجاعًا لإنصافه وتهنئته، ليس على مواقفه الأخيرة وحسب، بل على ندرة قماشته وعميق نبله وفيض كرامته، ولو كان لنا أن نستطرد أكثر، لذهبنا بعيدًا في تشريح دقيق لتلك الحالة الغائرة في الناس، هناك حيث تولد السياسة من رحم الشارع، فتصير صنوه وصنو قاطنيه، ويصير حاملها وأهله سيّان: صيادٌ يمتهن السياسة وكأنها مَهمةٌ أو واجبٌ أو عرق جبين.

يعترف الصديق اللمّاح عبادة اللدن، في منشور فيسبوكي، أنّه فهم متأخرًا لماذا منحت صيدا ما يُقارب نصف أصواتها لأسامة سعد، حتّى في عزّ سطوع نجم رفيق الحريري وتوهّج بريقه. وهو إذ أحال ذلك إلى قلة درايته بحيثية الرجل وحضوره، يظن أنّ أهل هذه المدينة الضاربة عميقًا في التاريخ هم أدرى بمعادن رجالها.

ولأنّ كثرتنا الكاثرة على سجية عبادة. لم نكن ندري ولم نكن نعرف. شعرنا بصدمة تلو صدمة، بينما نراقب أسامة سعد ونستمع اليه، منذ رفضه الانخراط في اللقاء التشاوري الذي ضمّ شخصياتٍ سنية موالية لحزب الله، مرورًا بمشاركته الحاسمة والوازنة في صفوف ثورة 17 تشرين وفي حمايتها ورعايتها وضمان استمراريتها في صيدا، وصولاً إلى البيان المفاجئ حول اغتيال لقمان سليم، الذي اتهم حزب الله مباشرة وكاد أن يُسمّيه بالاسم، ليس باعتباره متورطًا في شطب معارضيه وحسب، بل لكونه المسؤول الأوّل عن سياسة القمع والهيمنة والاستبداد والاقصاء والإرهاب والتهديد والتخوين.

كل هذا وأكثر. ويُضاف إليهم قطعًا إطلالته الشهيرة من قصر بعبدا على هامش الاستشارات الملزمة، حيث ظهر وقتذاك بلباسه العادي البسيط وسيارته المتواضعة ومواقفه النارية. حتّى استحال حديث الناس عبر منصات التواصل الاجتماعي. وكأنّه الوحيد الذي يُشبههم ضمن منظومة متجذرة وشخصيات مستفزة وطاقم لا يزال يمارس ترف النقاشات العقيمة والمماحكات العبثية والشعارات الفارغة، بينما تهرول البلاد برمتها نحو الدرك السحيق. وكان خطابه أقرب كلام إلى الثورة، قيل من بعبدا يومها.

الواضح والأكيد في هذه التجربة، أنّ أهل مكة أدرى بشعابها وناسها، وأنّ التنوّع السياسي والمناطقي خارج الحصرية والمركزية بات يكتسب أهميته الاستثنائية، لا سيما في ظلّ الارتهان المتعاظم لبعض المصالح والتسويات. وهنا، على سبيل المثال لا الحصر، يمكننا إجراء مقارنة سريعة بين موقف تيار المستقبل ورئيسه، الذي لا يعدو كونه موقفًا لرفع العتب، وبين الموقف المدوّي لأسامة سعد المتحالف تاريخيًا مع حزب الله. وحينها سندرك أنّ الذي يجاهر بتحالفاته وبخياراته السياسية، ولو كانت بخلاف ما نشتهي، هو أصدق وأمضى من أولئك الذين يتصنّعون الخلاف والعداء، بينما ينهمكون بعقد التسويات وإبرام الصفقات تحت الطاولات وخلف الستائر.

طبعًا سيظل الاختلاف موجودًا وقائمًا مع أسامة سعد، ومع سياساته ورؤيته وتحالفاته، وهي اختلافات كثيرة ومتشعبة وبنيوية، قد تبدأ من تحديد موقفه الواضح من النظام السوري وارتكاباته وإجرامه، ولا تنتهي بحسم خياراته إزاء التغوّل الإيراني الفظيع في لبنان والمنطقة. لكنّ ذلك كله لا يمنع أن نُقدم له التحية والاحترام، ليس على شجاعته وحسب، بل أيضًا على وطنيته واستقلاليته وتجرّده من مواقع محدّدة وإن لم يكن في كل نتمناه ونريده منه. ولأنّ معادن الرجال لا تتبلور إلا في غمرة الشدائد ولحظات حكّ الركاب، فقد حان الوقت أن نعترف جميعًا، أنّنا صرنا بعد هذه التجربة أكثر التصاقًا بأهل صيدا وأكثر دراية بمعادن رجالها.