بيع العقارات في ظل أزمة الدولار… ما هو واقعه ولماذا أتى كسر الجمود في غير محلّه؟

لو ذكرنا أمام أيّ مطوّر عقاري سنة 2018 على سبيل المثال، أنّ عمليات البيع العقارية ستقفز بين عامين 2019 و2020 بشكل كبير، لكان أصابه “الذهول”، وهرول إلى #الاستثمار، بغية الاستفادة من هذه الطفرة في المبيعات العقارية. لكن في واقع الاقتصاد اللبناني، ماذا يمثّل هذا الارتفاع؟ وضمن أيّ سياق أتى؟

يمثّل هذا الرقم 63 في المئة (نسبة ارتفاع البيع) إذا ترافق مع فترة ازدهار اقتصادي، (ومن ضمن هذا الازدهار #القطاع المصرفي، وقيمة العملة الوطنية)، نموّاً إيجابياً للقطاع العقاري. لكنه أتى مع تراجع حادّ في قيمة الليرة اللبنانية في السوق السوداء، وفقدان الثقة في القطاع المصرفي، الذي يقف عاجزاً أمام تراجع عرض الدولار في الأسواق، وتعذّر الدولة دفع مستحقاتها بالعملة الخضراء.




وفق السجل العقاري، كانت المبيعات العقارية في الربع الرابع من عام 2019، 13400 عملية بيع، لتقفز إلى 27094 عملية في الربع الرابع من عام 2020، أي سجلت ارتفاعاً نسبته 102.2 في المئة.

ومبيعات عام 2019 العقارية البالغة 50352 عملية، قابلها 82202 عملية عام 2020، والارتفاع نسبته 63.25 في المئة.
هذه الطفرة العقارية، كما فسّرها الخبراء، هي بسبب هرب المشتري من النظام المصرفي الذي يحتجز أمواله، وهي في ظلّ الخوف على الودائع بالعملة الصعبة، وبات الجواب معروفاً بشأنها.

ولكن في المقابل، هناك البائع الذي يقبل بهذه الشيكات المصرفية لسداد ديونه المصرفية.

ويشرح نقيب الوسطاء والاستشاريين العقاريين، وليد موسى، أنّه “يقتضي تحليل السوق العقارية وفق ثلاث مراحل هي على الشكل الآتي؛ مرحلة ما قبل 17 تشرين الأوّل 2019 وبدء الانهيار الاقتصادي، بحيث كان هناك هبوط في المبيعات العقارية، وحركة السوق جامدة، في ظلّ الركود الاقتصادي الذي كان قائماً، وعدم توافر القروض السكنية المدعومة”.

وبالعودة إلى الأرقام والمعطيات التي ينشرها موقع السجلّ العقاري، يتبيّن أن عدد عمليات البيع العقارية حتى الربع الثالث من عام 2019 كانت 36952 عملية، (أمّا هذه العمليات ضمن الفترة عينها من عام 2020 فكانت 55108 عمليات بيع).

ويتابع موسى أنّ “المرحلة الثانية هي التي شهدنا فيها هجمة على السوق العقارية. والسبب هو اللجوء إلى العقار هرباً من احتجاز الأموال في القطاع المصرفي. واستمرت هذه الحال حتى الأشهر الثلاثة السابقة، إذ سُدِّدت كمية كبيرة من الديون، ودخلنا بعدها في المرحلة الثالثة حيث الجمود من جرّاء الإغلاق”.

وبالعودة إلى تحليل الأرقام، يتبيّن من معطيات السجلّ العقاري أنّ المبيعات قفزت ما بين أيّار 2020 حتى نهاية تموز من العام عينه بنسبة 157.5 في المئة، وهذه الفترة تقع في صلب الهجوم الذي تحدثنا عنه سابقاً.

وفي تلك الحقبة، انتهت فترة الإغلاق الذي فرض في بداية آذار، وعدنا إلى الفتح التدريجي بعد الموجة الأولى من فيروس كورونا. وبعد الفتح التدريجي ارتفعت المبيعات من 4036 عملية في أيّار، إلى 10393 عملية بيع في تموز.

وبالتزامن مع الحجر، وإعادة فتح البلاد، كانت تعاميم المصرف المركزي تتوالى، وبدأ المواطن اللبناني يلمس أنّ الليرة التي بقيت على مدى سنوات مثبتة، تتجه في مرحلة قريبة إلى تغيّر جذري.

وكذلك استمرت المصارف، في تلك الفترة، بعدم إعطاء الدولارات إلّا بسقوف ضئيلة جدّاً. وحصل في تلك الحقبة التراجع الدرامي في قيمة الليرة اللبنانية في السوق السوداء، لتلامس عتبة الـ10000 ليرة مقابل الدولار الواحد في تموز.

كل هذه العوامل أتت بالتزامن مع هذا الارتفاع في مبيع العقار. ومن المعروف أنّ العقار من الأصول التي تحمي المدّخرات. ليأتي بعدها انفجار المرفأ ويحدث صدمة في السوق، وتراجع المبيع عندها إلى 7438 عملية.

بعد مرور أيلول، كان الجمود الذي تكلّم عنه أصحاب العقارات، في تشرين الأوّل والثاني. لكن رغم هذا الجمود حصل ارتفاع نسبته 90 في المئة عن الفترة عينها من عام 2019، التي شهدت بدء الانتفاضة الشعبية، وبدأ يلمس المواطن أنّ الوضع الاقتصادي يتجه نحو تراجعات، في ظل تأزم الوضع السياسي.

وإذا كان موسى يعدّها الفترة الذهبية لشراء العقارات في لبنان، بالنسبة للمغتربين اللبنانيين الذين يمتلكون ودائع بالخارج، ويمكنهم إرسال (الفريش دولار) وشراء عقار بـ35 في المئة من قيمته الفعلية إذا قبل المطوّر بذلك، يشرح أحمد ممتاز، الأمين العام لجمعية تجّار الأبنية في لبنان أنّه “لا يقبل أن يبيع في ظروف كهذه، لأنّ لا ديون مصرفية عليه. لذلك اتخذ قراره في بداية هذه الهرولة نحو القطاع بعدم البيع ضمن شروط السوق غير العادلة بنظره”.

ولدى سؤاله عن الشروط التي يقبل بالبيع ضمنها، أجاب بأن “يكون هناك تناسب ما بين قيمة العقار وسعره، (أي إنّه لا يبيع بأقل من القيمة الفعلية)”.

يأتي ذلك ضمن فترة تميّزت بتنوّع قاعدات البيع، ما بين القبول بالمبلغ بشكل كامل عبر شيك مصرفي، وبين من يريد قسماً نقدياً وقسماً بالشيك المصرفي. ولكل طريقة “مضاعف” معيّن، بحيث يكون الرقم الذي يُسجل على الشيك مضروباً بمرة ونصف أو مرتين أو حتى، وصلنا اليوم، إلى حدّ الثلاث مرّات (بحسب مراقبين) من المبلغ الأصلي الواجب دفعه في الأحوال العادية. تنوّع هذه القواعد ما بين المطوّرين العقاريين يعود إلى اختلاف الوضع المالي لكل منهم.

من جهته، يشرح فيليب تابت، المدير التنفيذي لشركة “هار بروبرتيز” بأنّه “لا يرى نفسه في مجال الاستثمار العقاري والتطوير في السنوات القادمة، لأنّ عملية تسعير العقارات لم تعد ممكنة، في ظل شراء موادّ البناء من الخارج بالدولار، وفي ظل تقلّب سعر الصرف، الذي فرض على المطوّر العقاري القيام بهندسات مالية (غريبة) للتسعير، ودفع المستحقات”.

وتابع تابت في حديثه مع “النهار”، أنّ “الأسعار تضخمت لدى اللبناني الساكن في لبنان. أمّا المغترب، فأصبحت أمواله إذا حوّلت إلى لبنان تضرب بـ3 مرّات أحياناً”.

وإذا كان البحث يدور عن كيفية جذب المغترب اللبناني لشراء عقار في لبنان، لفت ممتاز أنّه “يقتضي الذهاب نحو من سيرجع حتماً إلى لبنان، مثل اللبناني في الدول العربية الذي لا يُسمح له بالبقاء هناك. وكذلك المغترب في البلدان الأفريقية يعود إلى لبنان، أمّا اللبناني في الولايات المتحدة الأميركية، فلن يعود مجدداً”.

تحت وطأة هذه البيوع الكثيفة، يتبيّن أنّ الواقع الصعب يفرض على المطوّر العقاري البيع حتى يسدد ديونه. لكن في السياق الذي تأتي فيه هذه البيوع، نسأل عن مستقبل قطاع العقارات والمباني بعد سنوات.

هل يصفّي القطاع نفسه عندما يبيع ضمن هذه الشروط؟ ماذا عن تقلب سعر الصرف والمشهدية السياسية غير المستقرة والتوتر في المنطقة؟ كلّ هذه الأجواء لا تحفّز على الاستثمار. كذلك نسأل كأصل في الحقيبة المالية وكقيمة، هل فقد العقار رونقه؟ وإذا كان العقار يستعيد قيمته سريعاً لأنها محفوظة فيه، فمتى سيستعيدها في لبنان؟


المصدر: النهار