مبروك لمحمود حسين… والعاقبة للجميع – محمد كريشان – القدس العربي

لا شيء يضاهي في الدنيا كلها ذلك العناق الطويل الحار بين محمود حسين وأمه بعد إطلاق سراحه، فمحمود الذي قضّى أربع سنوات وراء القضبان، دون أن توجه إليه تهمة أو يمثل أمام المحكمة، حُرم ظلما وبهتانا من مثل هذه اللحظات كما حرم من توديع والده المريض قبل وفاته إذ لم يُسمح له إلا بحضور جنازته.
لا يمكن لك سوى أن ترحب بإطلاق السلطات المصرية سراح صحافي بعد اعتقال تعسفي لم تكن وراءه سوى مناكفة سياسية مع القناة التي يعمل معها والبلد الذي يحتضنها، لا أكثر ولا أقل. كما لا يمكن لك كذلك، سوى أن تعبر عن ارتياحك لما كتبه محمود نفسه بعد إطلاق سراحه، عبر موقع ابنته على «فيسبوك» حين قال «أؤكد مجددًا أن فترة سجني كانت فترة طبيعية وعوملتُ خلالها معاملة جيدة ولم أتعرض لمضايقات من إدارة السجن، وكنت أتلقى زياراتي الأسرية بشكل دوري وكذلك كنت أحصل على الأدوية والمستلزمات المعيشية بصورة طبيعية».
ومع أن قناة «الجزيرة» التي عمل معها محمود لسنوات مراسلا في القاهرة قبل أن يستقر في الدوحة بعد إغلاق مكتبها، وكذلك كل المنظمات الدولية المعنية بحرية الصحافة رحبت بإطلاق سراحه، فإن ما جرى طوال هذه السنوات الأربع لا يمكن طيه بسهولة وكأنه لم يكن.
لن نتحدث هنا عن الأضرار الشخصية والنفسية للصحافي نفسه وكامل عائلته طوال هذه الفترة، وإنما عما يجب استخلاصه من دروس من قبل السلطات المصرية حتى لا تتكرر مثل هذه الحالات التي خرجت منها هذه السلطات بأفدح الأضرار، فيما خرج منها من رمت به وراء القضبان بطلا وأيقونة.
لا يمكن بسهولة نسيان حقيقة أن محمود حسين قضّى أطول فترة اعتقال قبل المحاكمة لأي صحافي مصري ينتظر جلسة استماع، وأن في ذلك انتهاكا للقانون المصري نفسه الذي يحدد الفترة القصوى للحجز قبل المحاكمة في القضايا الجنائية بـ 620 يوما، لكن محمود بقي أكثر من ضعف هذه المدة.

مبروك لمحمود حسين استعادة حريته على أمل أن تُطوى قضيته بالكامل، لا أن تبقى سيفا مسلطا على رقبته يمكن التلويح بها أو العودة إليها في أي وقت




لا يمكن كذلك بسهولة نسيان حقيقة أن محمود لم يكن الصحافي المصري الوحيد المسجون بل غيره كثير، ويناهز عددهم 26 الآن. جُلّهم لم يجد ما وجده محمود من وقوف المؤسسة التي يعمل فيها بقوة للتعريف بقضيته والمطالبة برفع المظلمة التي تعرض لها، بل إن هؤلاء لم يجدوا من نقابة الصحافيين المصريين نفسها ما كان يفترض أن تقوم به في حالات كهذه.
لا يمكن أيضا بسهولة نسيان عدد حالات الصحافيين المصريين المقيمين في الخارج لأسباب مختلفة سواء في قطر أو تركيا أو غيرهما في أوروبا، وكثير منهم لا علاقة لهم بـ«الإخوان المسلمين» بالمناسبة، بعض هؤلاء لا يستطيع تجديد جواز سفره والبعض الآخر متردد في زيارة البلد خشية الوقوع في تعقيدات لا تحمد عقباها (لا بد من تسجيل أن محمود اعتقل خلال زيارة أهله بعد زيارات عديدة سابقة لم يتعرض فيها لأية مضايقات). وبين هؤلاء وأولئك يوجد من صدرت ضدهم أحكام غيابية بالسجن، أو حتى بالاعدام مثل إبراهيم هلال مدير الأخبار السابق في «الجزيرة» بتهمة نشر وثية سرية، فيما يتعرض البعض الآخر من الصحافيين ونشطاء حقوق الانسان في الخارج إلى أسلوب جديد من التنكيل يتمثل في اعتقال أقربائهم للضغط عليهم للعودة أو إسكات أصواتهم. هذا الأسلوب «السوري» في القمع لم يكن موجودا من قبل في مصر لكنه بدأ يشيع في الفترة الماضية.
لا يمكن لأي دولة في العالم تلاحق الصحافيين، بأي مبررات كانت، ولا تلحق بها أضرار كبيرة في سمعتها الدولية فمصر الآن تصنف من أسوأ الدول على هذا الصعيد إلى جانب الصين وتركيا والسعودية وهذا كله لا يخدمها بالمرة، حتى وهي تسعى لتسويق إنجازات أخرى اقتصادية أو غيرها، فملاحقة الصحافيين والمعارضين ونشطاء حقوق الإنسان تَكلُفتُها عالية في الإضرار بالسمعة الدولية لأي دولة.
ما يزيد الأمر إحراجا أنك لا تستطيع، من الآن فصاعدا، أن تمنع أيا كان من أن ينظر إلى إطلاق سراح هذ أو ذاك سواء في مصر أو السعودية، أو غيرهما قريبا بلا شك، على أنه محاولة للتكيّف، بدرجة أو بأخرى، مع السياسة الأمريكية الجديدة مع عودة الديمقراطيين إلى البيت الأبيض وأغلبيتهم في مجلسي النواب والشيوخ. لو بقي ترامب، المعجب بالمستبدين من كل حدب وصوب، لما رأينا الأمور تتحرك قليلا، ولو ببطء، حتى لا تبدو الأمور وكأنها حالة هلع بعد رحيله الذي شكّل أسوأ غطاء لعديد الممارسات الاستبدادية في بلادنا العربية في الخليج وغيره.
في نهاية المطاف، مبروك لمحمود حسين استعادة حريته على أمل أن تُطوى قضيته بالكامل، لا أن تبقى سيفا مسلطا على رقبته يمكن التلويح بها أو العودة إليها في أي وقت، والعاقبة لكل المسجونين ظلما في مصر وغيرها فلا أحد يكره أن تعود مصر متألقة ومنارة للجميع… «مصر التي في خاطري».