//Put this in the section //Vbout Automation
سمير عطا الله

لا يرتقي الرثاء إلى المرثي – سمير عطالله – النهار

ما الموت إلاّ الفصل الأخير في حياة الكبار. وما الرثاء إلاّ محاولة بائسة في الارتفاع الى مستوى الفقدان بالمرثي. كل شيء آخر كان متوقعاً في سيرة #جان عبيد المتألقة فكراً وايماناً ونصاعة، ملؤها المعرفة، والألمعية، ومودة الوطن، ومحبة الناس، وهمّ الأمة. كل مكانة بلغها كانت حقاً واستحقاقاً. والقمّة التي استحقَّها ولم يصلها، كان ذلك من خيوبها.

ما لم يكن متوقعاً في تلك الحياة الغامرة، هو الرحيل ضمن موكب من مواكب الغفل. وقد غافلنا ومضى، نحن الذي يكرز فينا على الدوام، أن الفوز والخسارة، شيء من عند الله، وأقدار الإنسان . كان مؤمناً، مثل أهل القرى، بأن الخلاص في الايمان. يصلي على سطح منزله للرب الإله، ويقدم النذور الى القديسة تيريزا التي من افيليا، وإلى القديسة ريتا، ويقطع الأميال في ايفاء نذر لسيدة لورد. وهذا المسيحي المتضرع، هو من قال عنه الأمير سعود الفيصل في مؤتمر لوزراء الخارجية في القاهرة: يا جان، يجب ان نكتفي بك، وتكون وزير خارجية كل العرب.




قبل ايام اتصل بي من روما، وزير خارجية ليبيا الأسبق، الدكتور عبد الرحمن شلقم، سائلاً عن حال الوزير الجريح. وكانت اخبار الحبيب لا تزال في المنى والأمل. وشعر الدكتور شلقم بشيء من الهناء. وقال: لا مستوى لمؤتمرات وزراء الخارجية من دونه. مجرد حضوره كان يجمع بينهم. وكنا نصغي إليه كمن وكأننا في امسية شعرية.

كان يزيّن كل المجالس، جان عبيد. محافل السياسة، ومحافل الأدب، ومحافل الصحافة، ومحافل الصداقات. وكان منزله ظهر الأحد مهرجان، فيه ابناؤه واحفاده واصدقاؤه، كما لو في فرض عائلي، ولا يجوز الغياب إلا بعذر شرعي. ولم نغب إلا عندما اصبح الاقفال حكماً، مستقيلاً في دعة، من رعاية مهرجان الأحد، حين يوزع بالوفر، المحبة والحكمة ورفعة النفس المطمئنة التي رجعت الى خالقها.

ها هو يغيب بنفسه، الحاضر الكبير، الحاضر الآسر الحضور، الحاضر النبيل المشاعر والمرامي، الممتلىء بلبنان عربي، يشبهه ويشبه اصدقاءه، من كمال جنبلاط الى تقي الدين الصلح الى فؤاد شهاب، الى كل من ترفع فوق الطائفيات وصغر الغايات. لبِق له المركز الأول في كل مكان. في الصحافة وفي السياسة، في العلاقات العربية، التي برز فيها وسيطاً عالياً، من سوريا الى مصر الى العراق الى الكويت. وفي ادغال لبنان، اتخذ جانباً واحداً، هو الحكمة، ومنذ ان طرحه الرئيس حافظ الأسد رئيساً، ظل، مثل ريمون اده ونسيب لحود، الرئيس الذي حال بنفسه دون دخول القصر. فقد عرض عليه المنصب في التسعينات مشروطاً بقصف الجنرال ميشال عون. رفض، معلناً أنه لا يتحمل وزر العمل.

كان رجل عهود، ورؤية، لا رجل تسويات، ولا رجل ينفذ دون نقاش. العلاقات الخاصة لم تلغ يوماً كرامته ولا مفهومه لضرورات العمل السياسي. كان واقعياً، لكنه لم يستسلم للأمر الواقع. وكان وفياً لصداقاته، ومبادئه، وماضيه، لكن كجزء من رؤيته لخلاص لبنان، أولاً كوطن للجميع، ثانياً كملاذ للمسيحيين، وثالثاً كجزء جوهري مضيء من أمّته العربية. ما اجتمع إلا للقلة من امثاله، كِبَر العقل والقلب. رجل الحوار الذي لا ينتهي إلا قانعاً أو مقتنعاً. ورجل الانفتاح الذي يرى الوقوع في الخصومة ضعفاً. فالنفس الأبيّة لا تطاولها الضغينة، ولا تذلها شهوات الحسد. سار فوق الحقد الصغير كما سار المسيح فوق المياه، لا تلامس طرف ردائه.

لا. لم يكن قديساً ولا كاملاً. لكنه كان إنساناً جميلاً، يحب الخير للناس، ويتمنى لأهل السلطة أن تحل عليهم نعمة التواضع، لكي يحفظوا رسالة الأحكام ومهمة الحكم. ولم يمالق احداً منهم، بل جاهر في شجاعة وفروسية، بكل ما يراه حقاً وعدلاً وسبيلاً الى تجنب المآزق بدل تكديسها فوق رؤوس الناس وقلوب الأهالي، فتصير حياتهم كلها يأس ومضض وخيبة ومرارة. منذ ايام ريمون اده وانا اتمنى ان تكون الرئاسة انتخاباً مباشراً. ففي ذلك يتحمل الشعب مسؤولية خياره. ولا يعود هذا الخيار الأهم، خاضعاً لترتيبات السياسة وتدبيرات اهوائها. ولربما خسر ريمون اده ونسيب لحود وجان عبيد، لكن الخسارة العادلة، ووفقاً لقرار الناس، وليس لما سماها دونالد ترامب “فن الصفقة”. لم يعد ذلك مهماً الآن. الفقد الشخصي اكبر وأصدق وأهم. فأنت كرفيق من رفاق العمر، سوف يظل مكانك خالياً وذكراك صافية. وسوف أعيد الى ذاكرتك، وقد غدرت بك وبنا الحياة، ما كتبه موريس بارس في “دفاتر العاصي”، عندما لم يصدق ان الانهر تنساب صعوداً:
“ثمة ايام يكون المرء حبا كله، غير قادر على النوم، تؤرقه السماء المليئة بالنجوم، والصمت، وذكرى الغائبين، وذوبان الوقت، وفيضان القلب، يا لها من عزلة…”