هل فتحت جريمة اغتيال لقمان سليم باب التدويل؟

أحمد عياش – النهار

سياسة الإفلات من العقاب عادت بأوضح الصور في جريمة اغتيال #لقمان سليم. هكذا تصرّف “حزب الله” ولا يزال حيال هذه الجريمة منذ اللحظات الاولى، كما جاء في تغريدة نجل الامين العام للحزب جواد نصرالله. أما في واقع الجريمة نفسها، فقد تصرّف منفذو الجريمة وفق هذه السياسة التي أثبتت صلابتها في الداخل اللبناني في جريمة اغتيال الرئيس رفيق الحريري التي تحلّ ذكراها في عطلة نهاية هذا الاسبوع، فيما لا يزال مرتكب الجريمة بحسب قرار المحكمة الدولية الخاصة وهو القيادي الأمني في الحزب سليم عياش طليقاً. لكن هل يصّح هذا الكلام خارج لبنان؟




في معلومات من مصادر ديبلوماسية تلقتها “النهار”، أن ردود الفعل من الاتحاد الاوروبي والولايات المتحدة الاميركية على جريمة اغتيال لقمان سليم، تنطوي على أكثر من تسجيل موقف، كما هو مألوف في أحداث مماثلة. ومن المؤشرات، كما تفيد هذه المعلومات، أن قراءة هذه الجريمة في الإعلام الاوروبي والاميركي أن سليم هو ناشط مناهض لـ”حزب الله”. وعندما يجري الحديث عن الاعلام الغربي، فيعني ذلك الحديث عن جهة فاعلة على مستوى الرأي العام ما يؤدي إلى تأثير فاعل على مستوى صناعة القرار.

أول نشاط قامت به سفيرة الولايات المتحدة الاميركية في لبنان دوروثي شيا في أول أيام الاسبوع الحالي، كان اجتماعها بوزيرة العدل في حكومة تصريف الاعمال ماري كلود نجم للتباحث في “التحقيق في مقتل لقمان سليم وأهمية محاسبة مرتكبي هذه الجريمة وغيرها من القضايا العالقة دون تأخير أو استثناء”، بحسب ما أفادت السفارة الأميركية في لبنان. وتقول أوساط سياسية مواكبة لتطورات جريمة الاغتيال، إن تحرّك السفيرة الاميركية يأتي تتمة لما صدر عن الخارجية الاميركية من موقف يدين الجريمة، ما يعني أن واشنطن لم تقل كلمتها ومشت.

لا أوهام في لبنان ولا خارجه في إمكان الوصول إلى نتيجة عن طريق القضاء اللبناني. هذا الامر أشار إليه مروان حمادة، النائب المستقيل بعد انفجار المرفأ في 4 آب الماضي أي قبل أكثر من ستة أشهر، فيما لا يزال القضاء اللبناني عاجزاً عن التقدم خطوة في الانفجار الاكبر في التاريخ غير النووي. فهو قال لقناة mtv التلفزيونية إنه شخصياً ما زال تحت وطأة التهديدات منذ أعوام، “وآخر تهديد وصلني منذ بضعة أسابيع”، مضيفاً: “ما في أجهزة أمنيّة لبنانيّة، عم نضحك على بعضنا. ومعظم الناس ساكتة لأنها خايفة من الأخطبوط يللي مسيّطر على البلد”. وسأل: “أين تحقيق المرفأ؟”.

الصعود على السلم، كي يكون آمناً، يكون درجة درجة. هذا ما فعلته السفيرة الاميركية في الساعات الماضية. وعلى هذا النحو، تصرّفت عائلة لقمان سليم. أما البطريرك الماروني مار بشارة بطرس الراعي، الذي صعد منذ العام الماضي سلّم لبنان درجة درجة، وصل في عظة الاحد إلى أعلى السلّم تقريباً عندما أعلن أن “وضع لبنان المنهار، وهو بحسب مقدمة الدستور، عضو مؤسس وعامل ملتزم في جامعة الدول العربية، وعضو مؤسس وعامل ملتزم في منظمة الأمم المتحدة، يستوجب أن تُطرح قضيته في مؤتمر دولي خاص برعاية الأمم المتحدة”. وقال: “شبعنا اغتيالات، وقد أدمى قلبنا وقلوب الجميع في اليومين الأخيرين استشهاد الناشط لقمان محسن سليم”.

لا غلو في القول إن اغتيال لقمان سليم يمثل حصاد الحملة الواسعة التي شنّها “حزب الله” على من أسماهم “شيعة السفارة” الاميركية. ويقول الزميل موفق حرب في مقال له في “ديلي ستار” تحت عنوان “حان الوقت لقانون لقمان”، إن سليم “لم يكن عدواً لحزب الله أو إيران، بل كان مؤيداً للبنان الحرية والديمقراطية. لم تكشف أوراق ويكيليكس الشهيرة عن أي شيء لم نكن نعرفه عن لقمان سليم لأنه أوضح شخصياً في مناسبات عديدة مصدر التمويل لمشاريعه. لقمان يمثل القيم المشتركة بين لبنان والولايات المتحدة التي نتفاخر بها في المؤتمرات والبيانات. مشاريعه التي تم الإشادة بها تلقت في بعض الأحيان تمويلًا أميركيًا لم يحاول لقمان إخفاءه مطلقًا. كان يدير أكثر المشاريع شفافية في لبنان لمنع المنظرين بنظرية المؤامرة من العمل ضده وكذلك لحماية موظفيه. لقمان، وما دافع عنه، يستحقان قانونًا على غرار قانون ماغنتسكي، يدعو الحكومة اللبنانية إلى الكشف عن الجريمة في غضون مهلة محددة أو أن تكون عرضة ليطلق عليها اسم دولة مارقة ومنبوذة ووقف أي تعامل مع مؤسساتها”.

أبرزُ عارفي لقمان سليم في واشنطن في آخر شهور حياته هو مساعد وزير الخارجية الأميركية لشؤون الشرق الأوسط وشمال إفريقيا السابق، ديفيد شنكر، الذي غرّد عبر “تويتر” قائلاً: “ارقد بسلام صديقي لقمان. حزب الله هدّدك ولكن كلّما كانوا يحاولون ذلك لم يُخيفوك. أخذوا حياتك ولكنّهم لن يأخذوا صوتك ورسالتك. لبنان للبنانيين وإنقاذ بلدهم أمرٌ يعود لهم”.

في سياق متصل، ورد على مواقع التواصل الاجتماعي الآتي: “توفي وزير الخارجية السابق جورج شولتز عن عمر مائة عام. ‏وجّه إليه أحد الأقارب سؤالاً عام ١٩٨٨ في جامعة هارفارد أثناء محاضرة له: ‏لماذا تفضلون سوريا على لبنان؟ فأجابه: “سوريا بلد الجريمة المنظمة، أما لبنان فهو بلد الجريمة غير المنظمة. نحن عادة نفضل التعامل مع المؤسسات المنظمة”.

التحدي الآن هو أن يمضي التدويل للبنان عموماً ولجريمة اغتيال لقمان سليم خصوصاً، إما نحو الأهداف التي أعلنها البطريرك الراعي، وإما نحو ما قاله جورج شولتز الذي يعني أن لبنان الخاضع لسيطرة إيران عبر “حزب الله” سيكون بلد “الجريمة المنظمة” في الشرق الاوسط. إنها فعلاً مرحلة دقيقة في تاريخ لبنان والمنطقة؟