//Put this in the section //Vbout Automation

وفي الليلة الظلماء يفتقد جان عبيد

غسان الحجار – النهار

هل أدرك #جان_عبيد، واسمه أهم من كل لقب وموقع، ان لبنان دخل مجدداً النفق المظلم، وهو لا يريده على هذا النحو، بل بلداً مسالماً على شاكلته، يحاور ويحاور ويحاور، في ميزة يراها البعض ممن لا يؤمنون بالحوار، نقطة ضعف، فيما ملكة الحوار لديه تشكل مدخلا الى من يخالفونه الرأي قبل الاصدقاء، وكلاهما يقبل ملاحظاته وانتقاداته، بروح الظرف والمرح، وايضا الحكمة التي تميزه.




ربما ادرك بحسه المرهف، ان #لبنان الذي عرفه، واحبه، وظل يحلم به حتى اللحظة الاخيرة، وطناً سيداً حراً كريماً، محرراً من كل تبعية، ملتقى لحوار الشرق والغرب، والمسيحية والاسلام، ولّى الى غير رجعة، كما صرنا نتلمس حالياً، فقرر الرحيل حاملاً الذكريات الحلوة، وربما الاحلام الكبيرة المستحيلة على ارض واقع لبناني موحل، بل موغل في الوحولة.

#جان عبيد، حلم برئاسة الجمهورية، ولم يبلغ قصر بعبدا، لانه كان وطنيا شريفا، وعلى رغم علاقته الوطيدة بالنظام السوري زمن الرئيس #حافظ_الاسد، رفض، مع مرشحين غيره، اجتياح قصر بعبدا بالطيران والمدفعية السورية، لاخراج رئيس الحكومة العسكرية انذاك، العماد #ميشال_عون، “المتمرد” وفق الوصف #السوري. قال للاسد الاب انذاك: وهل يمكن ان يسجل للتاريخ ان الجيش السوري الشقيق قصف قصر الرئاسة اللبنانية ووزارة الدفاع، وهو ما لم يفعله الاحتلال الاسرائيلي عندما اجتاح لبنان وبلغ بيروت؟”. وهذا الجواب كان كافياً لاستبعاده، تماما كما ادى رفض الرئيس #رينه_معوض هذا الخيار الى اغتياله. وقال عبيد لعبدالحليم خدام وحكمت الشهابي، بعدما سأله الاول عما سيفعل بميشال عون اذا انتخب رئيساً؟ اجاب: “كما اعطيتم زعماء الميليشيات فرصة للدخول الى السلطة، وبينهم مقاتلون وقتلة، وعملاء لاسرائيل وسفلة، يقتضي اعطاؤه هو ايضاً فرصة.” وهكذا فوت الفرصة، ولم يندم. وكرت تجربة قربه من الرئاسة من دون ان يبلغها، خصوصا في العام 2004 بعد انتهاء ولاية اميل لحود، والقرار السوري المفاجىء بتمديد ولايته في قرار خاطىء، اريد منه مواجهة المجتمع الدولي بعد القرار 1559، وتجنب عبيد صديق السعودية.

وثمة رواية طريفة في هذا المجال كان عبيد يرددها، اذ كُلّف نائب رئيس مجلس النواب #ايلي_الفرزلي ابلاغه قرار التمديد للحود، من دون ان يؤدي الامر الى “زعل” عبيد. فقال له الفرزلي “انت يا جان اكبر من النيابة والوزارة، بل لنقل انت اكبر من رئاسة الجمهورية، فلماذا تسعى اليها الان في هذه الظروف؟”. التقط عبيد الاشارة، فقال لمحدثه “اكمل اذا كنتُ اكبر من كل المواقع فهذا يعني ان مملكتي ليست من هذا العالم، فهل انتقل الى جوار ربي؟”. ويقهقه.

وتردد لاحقا ان نشر معلومات في الإعلام بعد انتهاء ولاية الرئيس #ميشال_سليمان، عن اتفاق رئيس مجلس النواب #نبيه_بري والزعيم الدرزي #وليد_جنبلاط على الإتيان بجان عبيد رئيساً، أثار البطريركيّة المارونية بدفع من بعض الطامحين فكان لقاء الموارنة “الأقوياء” ميشال عون، وسمير جعجع، وسليمان فرنجيه، وأمين الجميل، لقطع الطريق على عبيد، وابقاء التنافس في ما بينهم. فكان وصول ميشال عون وندم الاخرون على الخطوة.

كان جان عبيد على قدر من الايمان، ليردد على مسامعنا “عندما تأتي الساعة”. وعندما يسأل عن الرئاسة يجيب ان هناك دائماً “اذناً الهي” يقرر الاشياء والمواعيد. والى شفيعته القديسة تريزيا التي كان يزورها في السهيلة يوما بعد اخر، ويردد معها “كل مهمة صغيرة في الحياة اليومية هي جزء من التناغم الكلي للكون”، كان مؤمناً بان تلك الارادة الالهية شاءت ان يولد في 8 ايار في يوم ولادة شربل مخلوف قديس لبنان الاول. وكان هذا التسليم، يجعله غير خائف رغم تعرضه لمحاولة اغتيال باستهداف منزله بعبوة في العام 1992 وعملية خطف عام 1987.

حكيم وزراء الخارجية العرب
ولشدة ديبلوماسيته، ومعرفته بتدوير الزوايا، سماه وزير الخارجية السعودي الراحل #سعود_الفيصل “حكيم وزراء الخارجية العرب” في اجتماع لوزراء الخارجية العرب في العام 2003، وقع خلاف قاس بين ممثلي سوريا وفلسطين ومصر والسعودية حول البيان الختامي في شقّه المتصل بالعلاقات العربية، قبل أن يطلب جان عبيد التدخل لتقديم مقاربته لهذا البيان. وبالفعل مهّد الأمين العام عمرو موسى الطريق أمام وزير خارجية لبنان، واصفاً اياه بحكيم وزراء الخارجية العرب، قبل أن يقدم صياغته التي نالت موافقة كل المشاركين، لينتهي النقاش بثناء قدمه الفيصل واصفاً عبيد بـ”حكيمنا جميعاً، وحكيم وزراء الخارجية العرب”.

واذكر ان ديبلوماسيته الناعمة، وتدويره الزوايا، لم ترُق لي يوم تعرفت اليه وزيرا للتربية، اذ اعتبرت انه ليس رجل قرار، ورغم ذلك، نمت بيننا صداقة شخصية، صارت عائلية في ما بعد، ادت الى اعترافي له بمأخذي عليه، فكان ان اقنعني بانه لا يستهوي “مسايرة” الناس، لكن الواقع اللبناني اثبت مراراً بان البلد لا يحكم بالقوة، وان اي فريق لم يتمكن من الغاء الاخر، وان الحوار سواء كان داخليا او برعاية خارجية امر لا مفر منه. ولانه ادرك حقيقة الواقع اللبناني وتركيبته المعقدة، فانه شجع على الحوار الذي اعتمده نهجاً له. ويردد مع صديقته القديسة تريزيا الطفل يسوع “غالبًا ما تكفي بسمة أم كلمة كي نزرع حياة جديدة في روح يائسة”.

جان عبيد، بئس هذا الكورونا القاتل، لكن يبدو ان الساعة حانت ولو بغير ما كنا نشتهي.