خطوط فرنسا المفتوحة تخفّف الضغوط عن “حزب الله”… هل يتنازل عون عن شروطه لتشكيل الحكومة؟

ابراهيم حيدر – النهار

لا تحسم التغيرات في الحركة الدولية في المنطقة تحت الإدارة الأميركية الجديدة، واستمرار الاتصالات الفرنسية بعد البيان الأميركي الفرنسي حول الوضع اللبناني، في أن تشكيل #الحكومة بات قريباً، إذ أن الاشتباك السياسي الداخلي لا يزال مستمراً خصوصاً بين رئيس الجمهورية ميشال #عون والرئيس المكلف سعد الحريري، ليس فقط حول تفسير الصلاحيات في المواد الدستورية، إنما في الصراع على النظام لا سيما إرساء توازنات جديدة ومراكز قوى وهيمنات لبعد ما تبقى من عهد عون. وعلى رغم بعض الأجواء الإيجابية التي عكستها التطورات، وتأكيد رئيس مجلس النواب نبيه بري استمرار مبادرته، إلا أن الإنسداد الداخلي يقفل كل المسارب التي تؤدي الى إطلاق سراح التشكيلة، حيث قد تأخذ الامور وقتاً إلى ما بعد أذار المقبل.




تذكّر المرحلة التي يمر بها البلد بالإنسداد الذي ساد قبل عام 2008، ليس من زاوية تشكيل حكومة، إذ أن حكومة الرئيس فؤاد السنيورة وقتها كانت قائمة بمقاطعة شيعية، إنما لجهة أزمة النظام والصيغة التي تفجرت بعد 2005، ووصلت إلى ذروتها في 2008 لتخرج بعدها تسوية اتفاق الدوحة، والتي على أساسها بدأت تتشكل حكومات بطريقة مختلفة عن السابق. في كل أزمة متفجرة وانسداد في النظام يذهب البلد إلى التعطيل، فهل هناك أكبر من تفجير مرفأ بيروت المروّع والإنهيار المالي والاقتصادي، لدفع القوى السياسية والطائفية الى الاستقالة أو تحمل مسؤولياتها على الأقل؟ هذه الأزمة المتفجرة لم تنقل البلد إلى مرحلة جديدة اليوم، ولم تنتج تسوية، فيما الحركة الدولية في المنطقة تتطلع إلى إعادة تشكيل النظام اللبناني بصورة مختلفة.

كل ما يحدث يؤكد أن البلد ومعه تشكيل الحكومة كانا معلقان على التغيير في الإدارة الأميركية. هذا التغيير المتوقع له أن يتبلور خلال الأشهر المقبلة، يعيد ترتيب أوضاع المنطقة ومعها الوضع اللبناني. لكن أمام ذلك ينبغي وفق مصدر سياسي متابع حل المعضلات الداخلية والتوازنات التي تكرّست خلال السنوات التي كانت فيها إدارة دونالد ترامب تضغط بشدة على إيران وتضاعف العقوبات على “#حزب الله” في لبنان. وما يجري اليوم يشير إلى بداية تغيير، بدءاً من الإشارات المتبادلة بين واشنطن وطهران إلى ما تطرحه الديبلوماسية الفرنسية للعلاقات بين دول المنطقة بما فيها السعودية وإيران، وصولاً إلى الوضع اللبناني الداخلي. ويشير مصدر سياسي متابع إلى تراجع الضغوط الأميركية على “حزب الله”، حتى أن رد الفعل الأميركي على اغتيال لقمان سليم لم يتضمن موقفاً من “حزب الله” ولم يتهم أي جهة باغتياله، ما يعني أن الحزب بدأ يقطف رهانه على التريث بعملية التأليف إلى ما بعد التواصل الإيراني الأميركي أو استئناف المفاوضات حول الملف النووي والصواريخ الباليستية، وإن كانت الامور لا تزال ضبابية وتحتاج إلى مزيد من الوقت.
الاتصالات الفرنسية مع الأميركيين تتواصل من أجل إنجاز تسوية لبنانية جديدة، لكنها تختلف عما حملته #المبادرة الفرنسية السابقة. الهدف الفرنسي اليوم هو تشكيل الحكومة بأي ثمن، بعدما كانت تدعو فرنسا إلى حكومة اختصاصيين مستقلة تباشر بالإصلاح. لذا نجد أن الفرنسيين قد فتحوا خطاً مع طهران لاقتناعهم بأن أي حكومة لن تتشكل إلا بتغطية إيرانية، ما يعني أن “حزب الله” سيكون مشاركاً علناً فيها. فيما تبقى المعضلة العونية بعدما تم التوافق مع الرئيس المكلف على التنازل عن بعض شروطه في توزيع الحقائب واختيار الأسماء وعدد الوزراء.

المشكلة هي في إعادة ترتيب التوازنات الداخلية في ظل الأزمة المتفجرة. في موضوع التنازلات ومن يقدمها من الأطراف، يشير المصدر السياسي إلى أن هناك معضلة أساسية تكمن عند رئيس الجمهورية ميشال عون، فقد بات واضحاً أن الضغوط لن تجعله يتنازل عما اصطلح على تسميته الثلث المعطل، وهو مسألة أساسية بالنسبة إليه لا ترتبط فقط بالوضع الراهن إنما بالمرحلة المقبلة وكيفية الاتفاق لما بعد عهد عون وعلى اي نظام وصلاحيات للرئاسة ومن هو الرئيس المقبل؟. ويذكرالمصدر بالتنازل الذي قدمه عون في مؤتمر الدوحة عام 2008، وهو تنازله عن الرئاسة، فيما تمكن مع تياره وبالتحالف مع “حزب الله” من حجز البلد لمدة سنتين بين 2014 و2016 إلى أن حسم اسمه كمرشح وحيد للرئاسة، لذا لن يكون هناك بالنسبة الى عون وهو يعرف أن ما تبقى من ولايته لا يتعدى السنة وخمسة أشهر من أن يحصل على سلة مطالب تندرج ضمن شروطه للموافقة على تقديم تنازل جزئي عما يطالب به، لكنه في المقابل يريد ضمانات مقابل الثلث المعطل قد يتولى الفرنسيون إخراج هذا الموضوع في توزيع حقائب الوزارات.
الأجواء الدولية المتصلة بالتحرك الفرنسي، تشير الى تغيير في النظرة إلى لبنان، ليس من زاوية الحكومة فحسب، إنما في ما يتصل بالنظام وبالتركيبة، لذا قد تمارس ضغوط على عون ليتخلى عن الثلث المعطل مقابل إعطائه ضمانات من ضمنها زيادة عدد أعضاء الحكومة وسحب منه ورقة تسمية كل الوزراء المسيحيين، أما اللافت، فهو تغير التعامل مع “حزب الله”، خصوصاً وأن موقف الفرنسيين هوعدم استبعاده من الحكومة، وهو ما انعكس ارتياحاً لديه بعدم التصعيد أو اتخاذ مواقف متشددة، وإن كانت هناك دول عربية لا تزال تمانع مشاركة الحزب في الحكومة، خصوصاً المملكة العربية السعودية.

حتى الآن يستمر التصلب لدى عون. فإذا كان يرفض إتهامه بالإصرار على الثلث المعطل، إلا أن موقفه من الأسماء والحديث عن صلاحيات الرئاسة في تشكيل الحكومة ومطالبته بحصة من الأسماء المسيحيين يؤكد موضوع الثلث المعطل. ولا يزال عون وفق المصدر السياسي يصر على أن تكون له اليد الطولى في تشكيل الحكومة، فيما نجح “حزب الله” خلال الفترة الاخيرة في تحييد بنيته وسلاحه عن أصل المشكلة، وفرض ما يريده، وقدم نفسه وكأنه لا علاقة له بالمعضلة القائمة. يعني ذلك دخل مخاضاً جديدا في تركيب نظامه لم يكتمل بعد، لكن المجتمع الدولي بدأ يُسلّم بالأمر الواقع…